الفن والألم والحضن – تدوينة فنتازية

أكتب اليوم وأنا ممتليء بالرغبة في التعبير عن أفكار شتى، جديدة وقديمة، قريبة وبعيدة، كأنني في هذه التدوينة سأطلق العنان لعقلي وقلبي لنقل ما يدور فيهما عبر لوحة المفاتيح أمامي إلى الصفحة الفارغة نصب عيني، فارغة، نعم، لكنني أشاهدها الآن وأنا أكتب تتحول إلى لوحٍ إلكتروني نقشت عليه أشياء لا أدري “كم” ستكون قيمتها في سجل الكون؟ وفي الوقت نفسه أعرف “كيف” أن فيها قيمة مهمة مثل الرغبة في التعبير عن الذات وترك الأثر. أكتب وأنا أتذكر شعوري متدثراً صوت الذكريات الدافئ، فيندثر الهم، يتناثر القلق مثل كرستالات متفتتة تحتي على الأرض، لا يتجاوز تأثيرها على سوى أن أتحرك قليلاً وأكنسها ببعض النشاط المعتاد. أتدثر صوتك، فينبعث في داخلي تاريخ طلسمي سرمدي  لا يمكن أن يعود للوجود بسهولة، لأنني نفسي لا أعرف كيف أوثقه وأسجله، صوت الأمل في داخلي، نسخة غير مكررة أبداً، لا يشبهها إلا اختلاف بصمات أصابع كل واحد منا. صوتك، صوتي، صوت الأمل في داخلي، يجيء على خيول محجلة، ترمح بثبات وبطء لكنها مستمرة، وفي لحظة خاطفة، وأنا متلثم، وفي داخلي ثلوم من بقية ضربات الزمان، وكما حلمت ذات ليلة، أمتطي إحداها، فرس مرحة رشيقة مسترسلة. ثم أتوقف فجأة، أسقط من خيالاتي تلك على الأرض الخالية الجرداء للحظات ثم يلتهمني خيال آخر لا يقل دهشة عن الذي سبقه! ماذا لو التهمت القمر، كأنه حبة بندول، أداوي آلامي وصداعي الذي يطرق رأسي مثل مطرقة، ويجردني من إرادتي، كأنه شعور حاد حار غير مريح، يصرفني عن كل لذة، ألتهم القمر وأشرب بعده كأساً من ضوء الشمس، وأقرر بعدها، حين أشعر ببعض الخفة، أن أتناول الشمس ذاتها مثل رغيف، وأقطعها على مهل وأنا أغمرها في بحار العالم السبعة، صار بيننا عيش وملح أيها الكون، فلم لا تزل لا تراعي في أن ترميني بالسهام ذوات النصال! حتى تكسرت النصال على النصال. وعلى الرغم من ذلك فأنا المتصالح، فلا يتهيأ لأي أحد أن يلتهم القمر والشمس في قضمات، وأن يكتب عن التجربة. في تدوينة مغمورة، هي أشبه بالورشة، لا يدري عنها أحد، ولا أريد أن يدري عنها أحد، بعد الآن. عندما التهمت القمر والشمس، صرت كوكباً، كوكباً لونه شفاف، لا لون له، وصرت كوكباً، بلورياً، لكِ، لكَ، لكمْ. ومع أنني كوكب، فالله يعلم كم يلتهمني ذلك القلق المتكرر في أن يمر عمري المحدود، وأنا طول الوقت مهدود، فلا قمت بواجب المسؤولية الشرعية، ولا العلمية، ولا الأخلاقية، وأدعو ربي الذي جئته طوعاً أن ينقذني قبل أن يفوت الفوت فلا ينفع الصوت. أحد الصغار، جائني مرة بفكرة في عقله لا أدري من أين نبتت وكيف سقاها؟ يقول علي، ناداني باسمي، أنت الظل الأبيض، “وايت شادو”، ومنذ ذلك اليوم لا أدري لم ناداني بذلك؟ لعله رآني بطيئاً وأتناقض مع ذلك بانشطاطي اللامبرر تجاه كل قضية في حياتي، وهو صراع بيني وبيني لا ينفك عني، لعله رأني سريعاً خافتاً أمر فلا يكاد يراني أحد، ولا ضير في ذلك، لقد اخترت الأمر بنفسي، قرارٌ هادرٌ، جارف من أعماقي، ينطلق بأهدى صوت ممكن ليقول، هأنذا، هذا باعث التدوينة، حسناً؟ شكراً. وفكرة أخرى، الفن ماذا يقول لنا؟ الفن يمسك بأيدينا بعيداً عن ضوضاء الأيام، يهذبنا، يطبطب على أكتافنا، يجعلنا نعلم أن هذا إلهاء لكنه إلهاء نريده، وفي الفن، شعرة لو أمسكت بها بعناية وتدربت على ذلك، حد فاصل لو وقفت عليه، سيكون لديك ما أسميه عبقرية الواقع والخيال، وعندئذ سيكون الإلهاء هو قمة الواقع ويتحول الفن إلى شيء مهم ومؤثر في حياتك وحياة من حولك، السر في ذلك أن تمتلك زمامه، فلا يطغى ولا يخبو، مجرد مزيج مثالي، تخف به لأواء الحياة ولا تنعدم فيه حاجتنا للواقع الحقيقي ووعينا به. الفن، توثيق حقبة، تفسير فكرة، وسيلة إرشادية عندما تتشابك الخلايا العصبية، وتشتد، فيكون هو دواء الارتخاء، هو مفتاح مضخة الأندروفين في نفوسنا، الفن وسيلة اتصال، وانفصال، أن أتحدث مع العابرين عن مقولة أعجبت بها، عن بيت شعر ملهم، عن نغمة تطرب لها أذني، عن تغريدة طائر، هذا عن الفن، قوس قزح في داخلي يموج بشكل مأساوي ويفرح بشكل كوميدي، وتكون النتيجة، البهجة، والبهجة ،المزيد من البهجة. ماذا بقي؟ الألم، الألم مؤلم الحديث عنه، لذا سأكتفي بكلمتين، الألم ضغف يغادر الجسد، فنصبح أكثر قوة، والألم هو دليل أنك حي، أنك على قيد الحياة، والحب والكره، والتقدير، والتضعضع، على قيد الإنجاز والبحث والتجربة، والبحث عن مداخل ومخارج، وعلى قيد المسؤولية التي تجعلك منك إنساناً حقيقياً بكل تكاملاته وتناقضاته. قبل أن أرحل، وأرش بقايا الكلمات من فرشاتي على لوحة هذه التدوينة، مثل لطخات، ربما يكون لها قيمة، أو لا يكون، وأكرر فكرة القيمة كأنها هاجس، أقول عن الحضن ما يلي، الحضن صورة مصغرة من شخص آخر (هو نحن ونحن صغار) يحمل عنا ثقل أجسادنا، همومنا هي ثقل أجسادنا، عندما نمارس الاحتضان، نخف للحظات، وقد تشعر بفترة الاحتضان كأنها قرن، لأن حملك تنوء به العصبة أولي القوة، وأدخشك كيف ذهب بسرعه. نكبر ونحن صغاراً، لا نملك من الهموم إلا الخوف من تحديات الحياة التي لا نعرفها، نكبر ونكبر، فيخف وجود الحضن في حياتنا، لأننا يجب أن نقوم بحمل أشياءنا، الحضن في معناه، يعني أننا عدنا أطفالاً للحظات، يعني أننا لنا كيان صغير، لا نستطيع الاعتماد عليه كثيراً، فيه تخلي عن كبرياء نضجنا المزعوم. الحضن أمان، لماذا؟ لأننا نسمح للآخرين بأن يرونا أطفالاً صغاراً، لأننا لا نخشى الاقتراب كثيراً، لهذا الحد اللصيق. طيب، ماهي فكرتي الأخيرة، احتضنوا، حتى لا يبقى لكم وقت لعمل أي شيء آخر، بدون الاحتضان، الحياة مضنية، وثقيلة، وتجعلنا نعتقد أننا نكبر ونكبر وأننا أقوياء، والحقيقة هي عكس ذلك تماماً، لقد خلقنا ضعفاء، يقوينا الحضن، والألم والفن، وأشياء أخرى نسيتها في خضم امتلائي برغبة شديدة في التعبير كما في أول السر أعلاه، ولعل الرغبة تحققت، والسلام.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s