منتصف الشهر، بعد الثامنة بقليل، قولي إنه القمر

هناك، انظري، إنه القمر، “فقولي إنه القمر“، مختبيء خلف تلك الغيمات الرمادية المتناثرة، كبير ومكتمل جداً، بدر تام، ألا ترين تلك الهالة الفضية المضيئة من حوله، شفاف هذا القمر لكنه يتكدر نصف الشهر، يغدو جرماً معتماً، ألا ترينه يختفي نصف وربعه وثلثه ويختفي كله كل شهر، لكنه عاد، انظري، انظري، زرقة في زرقة، من حوله، أبيض مشربّا بزرقة، مثل أول الصباح. كانت هي على الأرض، في تلك الليلة، مثله تماماً، مثل القمر، تنير ما حولها، على ما كان يكتنفها، رغم الازدحام، من ظلام فوضوي دامس قاتم، كانت تنير ما حولها، كأنها دانة، لؤلؤة مضيئة، “تتحول إلى دهر، كل ثانية”، قالت نفسها لنفسها، ولم يسمع أحد، ولم ينتبها لها أي أحد، ختام حديث النفس السريع الساخن، تنهيدة حارقة، تحرق كل شيء، طويلة ومشتعلة، مثل نيران الغابات. في كل شهر، اتفقا، عندما يكتمل البدر، أن يجلسا هناك، بعد الساعة الثامنة بقليل، “أفتر إيت” نتحول إلى كائنات من لهفة، إلى أشجار من توق وشوق تنمو ولا تتوقف، ثمارها الأفواه المشدوهة المشدودة إلى أسفل، والعيون الذابلة من السهر، شهراً بعد شهراً، كانت العيون تلتقي هكذا، عبر المجرات، وعبر القارات، وعبر السموات، بدقة لا تضاهى، بلا تلتقي العيون إلا بلقاء السماء، عند مرآة القمر، قولي إنه القمر، تقول، وتقوم الغيمات، بلملمة النجوم معها للرحيل، حان الصباح، فالقمر انتابه البرد، وقشعرت أطرافه برودة الربيع، ومنحته الغيوم فرصته الأخيرة، كي يلقي نظرته الأخيرة لتلك الليلة، على تلك الأرض القديمة الممتلئة بكل شيء. حل الصباح، وحلت السحب مكان الغيوم، والشمس لا تلقي بالاً للصباح، تركته وحده هذا اليوم الربيعي البارد، وبكت السماء، هطل المطر، بكت السماء على حالهم، نشجت حتى نشجت كل الأنهر، والتحمت بكل بحر ممكن تبحث عن الحنان، المفقود. وتدور الأيام دوراتها.

“لا تعبث بأحلام الآخرين” وسرت فيه القشعريرة، وهو يقولها داخل نفسه بلسان عقله مخاطباً أذني قلبه، القشعريرة من أين، من صدق المطر أم من صدق المشاعر؟ حياته طقوس، أم طقوسه حياة؟ عيناه جسورتان، يجدون فيهما الدفء، رغم كل شيء، رغم القشعريرة، رغم الرعدة، رغم الزمع، “وقد يُظن جباناً من به زَمعُ“، تطفو على السطح كل الرموز، ويبقى في القاع كل المعنى، مثل البحيرات العذبة، مسالمة ونافعة ولا تؤذي أحد، هكذا كانت نفسه، هو أيضا، تدور أفكاره في عقله مثل دوامة، مثل الزوبعة، وهو ياللسكون! يمشي نحو طقسه الشهري، وتطول حبال أفكاره، تطول تطووووول، فتصل لقاع بئره العميق، ذلك لأنها، هي فقط كانت على رأس البئر وهي تمتح منه، فيشاهد القمر، فقولي إنه القمر، القمر المكتمل، والريح تصارع الغيم أمامه وتنقش كتابات على السماء الدهماء، وفي روحة نشوة وحشية، كنشوة الطفل إذا خاف من القمر.

أُقلب طرفي في السماء لعلّهُ *** يوافق طرفي طرفها حين تنظرُ

١٩ مارس ٢٠٠٦

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s