توثّب قبل أن تنظر – ترجمتي لقصيدة للشاعر ويستن هيو أودن

دعوني أسجل الحقائق قبل أن تفلت من بين يدي، وجدت في هاتفي صورةً تحوي نصاً باللغة الانجليزية، لا أدري من أين جاء بالضبط؟ أو من أين حفظته؟ أو أين رأيته؟ الأكيد أنه من وسائل التواصل الاجتماعية، وهي عادة لي اتخذتها منذ زمن بعيد، أن أحفظ الأشياء التي أشعر أنها قد تكون ذات قيمة، ومرات يخذلني ذاك الشعور فلا يكون ذمّة قيمة لما أحتفظ به، وأحياناً يكون هناك معنى عميق وتفسيرات أعجز عن احتواءها عندما أقرأ بعض الأشياء التي أحفظها، دعوني مرة أخرى، واسمحولي أن أتجاوز المقدمة وأدلف إلى صلب الموضوع.

النص الذي رأيته وقرأته مرات، هو قصيدة للشاعر الانجلواميركي ويستن هيو أودن (1907-1973) لا أعرف الرجل ولا قرأت له من قبل، لكن النص الذي قرأته مراراً، كما أسلفت، يتصارع مع فكرة أتشبث بها كثيراً، ألا وهي التحوّط، الحذر، القعود عن المخاطرة، وهو أمر أراني اشتهرت به عند من يعرفني، وعرفت نفسي به، ليست هنا القضية تماماً، لكن من هنا كانت الكلمات ملهمة بالنسبة لي وتستحق أن تقرأ، وتجرأت على ذاتي، وقررت أن أتجرب ما أفهم منها، أن أحاول ترجمتها كلها، لاسيما وأنني بحثت عن ترجمة لها فلم أجد، فقلت لعلي أجرب، أحاول.

القصيدة تبدأ بقول شهير، لكنه معكوس، وهو “Leap before you look”، أما القول الأصلي الشهير جاء أول مرة على لسان شاعر انجليزي من القرن الرابع عشر، اسمه جون هايوود، كان يقول: “Look before you leap”، وكان القصد منه ألا تقفز بفرسك حتى تعرف وتفكر بمدى طول الحاجز الخشبي، وكانت استعارة عن التمعن قبل اتخاذ القرارات المصيرية. أودن اختار أن تكون قصيدته عكس ذلك، وفهمت منها أننا يجب أن نخاطر حتى نحصل على عوائد، ومعلوم حتى في الاقتصاد والعلوم المالية، أن العوائد تزداد مع ارتفاع المخاطرة، لكن في الوقت نفسه ترتفع حتى الخسارة! وهنا المفارقة، والقضية والمفهوم نفسه يشبه قول امرئ القيس، عندما قرر السفر إلى قيصر، طلباً لنجدته على من قتلوا أباه، قال لصاحبه تلك الأبيات التي لا أنساها، وفيها من حث النفس على الانطلاق والانعتاق من قلق عدم حصول المراد، فيها القفز على الرهبة وقصد الهدف دون تردد:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونهُ *** وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا

فقلت له لا تبك عينك إنما *** نحاولُ مُلكاً أو نموتَ فنُعذرا

إذن، القصيدة أعجبتني، وأردت أن أدون عنها وأن أحاول ترجمة ما أفهمه منها، هذا كل ما في الأمر، والآن مع ترجمتي لها.

توثّب قبل أن تنظر

الشعور بالخطر يجب ألا يزول

والطريق -بلا ريب- وعرٌ وقصير

مع أنه يبدو متدرجاً من هاهنا

ألق نظرة إذا أحببت، لكنك يجب أن تثب

الرجال الصلبون يصابون بالرقّة في نومهم

وما دام بإمكان أي أحمق اختراق القانون

ليس عهداً، لكنه الخوف

الذي يجعلنا نميل للاختفاء

الجهود القلقة للركام الدنيوي المشغول

الطين، الغموض والبئر

كلها بيئة خصبة للنكات الذكية كل سنة

اضحك إن استطعت، لكنك يجب أن تثب

كل ما يصلح للارتداء من ثياب

أعني أنها ليست رخيصة ولا متوقعة

طلما رضينا أن نعيش كالخراف

فلا تذكر أبداً أولئك المختفين

الكثير يمكن أن يقال من أجل الفارس الذي سينقذ المجتمع

لكنه اراد ألا يدعو أحد غيره للفرح

ولا حتى للنوح

قد لا ينظر أحد إليك الآن، مع ذلك يجب عليك أن تثب

العزلة العميقة تجعلك

تحفظ سريرك على الهيئة التي تناسب اضطجاعك

ويا عزيزي

على الرغم من أنني أحبك، يجب عليك الوثوب

وكل أحلامنا بالسلامة، يجب أن تزول

_________________________

إضافة للتدوينة، تُقرأ بدونها لكنها تكملها:

نص القصيدة، القصيدة مقروأة، نبذة عن الشاعر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s