قصة الأسد الطيب – صياغتي الخاصة

6ea0eec89744359366be821cb8f354c33c7720a1_m

في يوم ما، كان هناك أسدٌ في غابة، مع بقية الأسود. قد يبدو الأمر واضحاً وبديهياً أن هذا الأسد كان مختلفاً عن بقية الأسود الفاسدة، أسود فاسدة حساً وعقلاً، كانت الأسود الفاسدة تأكل كل يوم الحمير الوحشية والحيوانات البرية من كل نوع وكل ظبية ممكنة، أي كان نوعها. في بعض الأحايين، تأكل  البشر أيضاً! ويحبون بالتحديد تناول لحوم التجار السمان لأن لحومهم مكتنزة وشهية.

لكن ذلك الأسد الطيب، الذي نحبه جميعنا لأنه كان أسداً طيباً جداً، كان لديه جناحان نبتا على ظهره، وجناحان في روحه أيضا، جناحان يحلقان به إلى أعلى طموح وأعلى إحساس ممكن ومعقول يحبه ويرغبه. كان يقرأ ويكتب، يقرأ الأحاسيس ويكتبها، يقرأ كل شيء حتى يفهمه جداً، ثم يكتبه. ولأن الأسد الطيب يمتلك كل تلك المقومات، كانت بقية الأسود الفاسدة تسخر منه، وتتخذه محل أضحوكة ومهزأة واستغراب واستنقاص واستخفاف غير مبرر البتة. “انظروا إلى أجنحته التي على ظهره! وإلى تلك التي في روحه أيضاً!” ثم ينخرطون في نوبات مجنونة من الضحك والزمجرة الممتزجة بالزئير المزعج المنكر. “انظروا لما يأكله!” كانت الأسود الفاسدة تقول ذلك مستنكرةَ، حيث أن الأسد الطيب لا يتناول -خلاف ما يأكلون- السمك وسائر ما سخره رب السموات للمخلوقات من البحر والنهر، ولا يأكل الأشياء اللينة، ولا الباذنجان، إلا في أضيق حد، إضافة بالطبع إلى أنه لا يأكل ما تأكله الأسود الفاسدة بطبيعة الحال، ويكتفي بالزبادي، والخبز البر، واللحم المطهو جيداً، أو الشوربة، شوربة العدس في برد الشتاء القارس خاصة، بالإضافة إلى التفاح والموز، وفي حالات معينة، الكمثرى الناضجة ذات الرائحة المميزة، كل ذلك لأنه كان أسداً طيباً جداً.

3174378116_41cd23db2b_b

الأسود الفاسدة تسترسل في ضحكها الممتلئ غيّاً ثم تهجم على تاجر سمين مسكين آخر، فتفترسه بوحشية على مرأى من الجميع، هكذا بكل صفاقة، ثم تشرب لبواتها دمه حتى آخر قطرة، وتلعقه بألسنتها مرة بعد مرة بعد مرة، حتى لا تذر منه شيئاً، كما تفعل كل القطط الكبيرة تماماً. كانت تتوقف عن ذلك بين الفينة والأخرى وسط انهماكها فقط لتنهر الأسد الطيب، كانت أسوداً فاسدة بكل تأكيد، فاسدة ومؤذية وشريرة وطالحة. وبالمقابل، كان الأسد الطيب، يجلس ويطوي أجنحته بهدوء إلى الخلف وإلى الداخل، ثم يسأل النادل بأدب، عما إذا كان بإمكانه الحصول على كوب من القهوة السوداء بقليل من السكر، أو مشروب نرفانا معطّر، حيث يفضل دوماً شرب هذه الأشياء لوحده، بدلاً من شرب دم التجار السمان المساكين. في يوم ما، رفض تناول رؤوس قطعان بشرية، وتناول بدلا منها خبزاً بالنخالة محشواً باللبنة والزعتر وشرب معها قدحاً من شاي الإيرل قراي المعطر والمحلى بسكر خفيف.

File 4-23-15, 10 37 14 AM

كل هذا جعل الأسود الكريهة تغضب غضباً أهوج شديداً، وجعل أحد أشرسها وأقبحها خلقاً أن يقول للأسد الطيب: ” من أنت حتى تظن أنك أفضل من حالنا؟” قالها وفمه الملطخ بالدماء، لم يجف بعد على الرغم من أنه مرغه بالعشب قبل أن يتحدث، ثم استرسل في غيه أكثر قائلاً: ” من أين أتيت أنت؟ أيها الأسد آكل اللبنة بالزعتر!؟ ماذا تفعل هنا على أي حال؟” زمجر وهو ينهي أسئلته المستفزة تجاه الأسد الطيب ثم زمجرت الأسود الفاسدة معه بدون ضحك.

” أبي يعيش في مدينة حيث يقف منتصباً تحت برج السعة وينظر للأسفل باتجاه آلالاف الحمائم الخاضعة له. وعندما تطير تلك الحمائم يُسمع صوت هدير عظيماً مثل صوت نهر جارف. هنالك أماكن في مدينة أبي أكثر من مكانكم هذا، وهنالك أربعة أحصنة برونزية اللون تقف تجاهه وكلهم يرفع حافره في الهواء لأنهم يهابونه. ” في مدينة أبي، الرجال يتنقلوا على أرجلهم أو في قوارب، ولا يوجد حصان يحترم نفسه بإمكانه دخول المدينة بدون إذنه مهابة وخوفاً من بطشه. “أبوك غريفين” قالها ساخراً مستغرباً أحد الأسود المهبولة لاعقاً شاربيه. “أنت أفّاك!” قال أحد المهابيل، “لا يوجد مدينة كهذه” “ناولوني قطعة من لحم ذلك التاجر، إنها لا تزال طازجة” قالها أحد الأسود المهبولة الأخرى، وقال: ” أنت أسد لا قيمة له، وأنت ابن غريفين” قالتها اللبوة الأكثر حمقاً وخبثاً من بين تلك الأسود الفاسدة. ” والآن يجدر بي أن أقتلك وآكل من لحمك وأشرب دمك، حتى أجنحتك لن يبقى منها شيء”.

e7c00fadcfd2fb36843074f3abc63286eb1c1fe2_m

 توجس منها الأسد الطيب خيفة بشدة لأن صار يرى عينه الصفراء وذيله المتحرك إلى الأعلى والأسفل بعصبية واقتربت منه تلك اللبوة الحمقاء فشم رائحة كريهة من فمه من بقايا الدماء التي تناولها قبل قليل، وبقايا اللحم بين أسنانها القذرة. وكان بقية من التاجر المسكين تحت مخلبها. “لا تقتليني” قالها الأسد الطيب، “إن أبي أسد نبيل، وكان دوماً محترماً، وكل ما قلته له لكم صحيح وصادق”.

وفي تلك اللحظة بالتحديد وثبت تلك الأسود الخبيثة باتجاهه فجأة. لكنه طار في الهواء بواسطة جناحيه، وحلق في دورات فوقهم، وكلهم ينظر إليه ويزمجر. نظر للأسفل، وفكر:” يالها من مجموعة أسود همجية وقاسية” دار فوقهم دورة أخيرة، مقترباً منهم فحاولت أحد اللبوات الفاسدة الإمساك به وهي تقف على أقدامها الخلفية فلم تفلح. صاح الأسد الطيب: “فمان الله”، “أورفوار” “مع السلامة” “جود باي” ” فير ويل” وكان صوته ينطق بتلك العبارات كأجمل ما يكون، وبلهجات لا يعلى عليها، يقولها بصوته المؤدب الذي تتلذذ به كل النفوس الجميلة، ولا يستنكره إلا كل أحمق بارد قبيح منحط. فزمجروا جميعاً بكلام غير مفهوم، كلام مختلط وساقط لا يفهم منه أدنى كلمه.

15193305362_c3831bb4f1_b (1)

حلق الأسد الطيب، أعلى وأعلى في السماء، ووجه وجه تلقاء مدينة أبيه، تجمع الجميع للترحيب به، وتحلقوا حوله مستبشرين مهللين في مدينة أبيه. حلق بخفة في تلك الساعة حيث كان أبوه، فقبل ما بين عينيه، وخديه، ورأى أن الأحصنة البرونزية لا تزال في مكانها واقفة في مهابة. وكانت المبنى العريق بارزاً في وسط المدينة كأجمل ما يكون. هدأت الأصوات في المدينة بعد وقت قصير، وعادت الحمائم إلى أعشاشها بوداعة استعداداً لمساء آخر جميل.

mortenkoldby_04

“ما حال من فارقتهم؟” قال الأسد الأب لابنه. “إنهم في حال وحشية يا أبي” رد الأسد الطيب. “بات عندنا في المدينة أنوار تضيء الليالي” قال الأسد الأب، “لاحظت ذلك” رد الأسد الطيب مثل أي أسد بار بأبيه. “أشكو من شيء في عيني يا بني” قالها الأسد الأب. ” إلى أين وجهتك القادمة يابني؟ “سأذهب إلى مقهى كافكا”، قال الأسد الطيب، “تناول عني قدحاً من الفرنش فانيلا يا بني، وأخبرهم أنني سأمر بهم قريباً لتسديد الفاتورة الأخيرة” “حسناً أبي” قال الأسد الطيب وطار بهدوء ومشى نحو المقهى بأقدامه الأربع الثابتة. في المقهى لم يتغير شيء، كل الأصدقاء كانوا هناك، الكتب والمجلات القديمة التي تزين الجدار قرب الباب لا تزال على حالها، الازدحام قرب المدخل، لكن في نفس الأسد الطيب شيئاً قد تغير بعد رحلته المثيرة الأخيرة. سأل الأسد الطيب النادل الحميم المؤدب، ” هل لديك من ساندويكات التجار السمان؟” وهو يمازحه، ضحك وقال: ” لا، لكن بإمكاني الحصول على بعض منها”. “حسناً وأنت تبحث عن ذلك، فضلاً ناولني كأساً من بيريه، المياه الغازية، وضع في الكأس ليمونة” “جيد؟” “جيد جداً” أجاب النادل. في تلك الأثناء، نظر الأسد الطيب في وجوه من حوله، ورأى كل أولئك الناس الطيبين من حوله وعرف حقاً انه عاد لسكنه، وأيضا أنه قاد عاد من رحلة مثيرة، ويفكر الآن في كتابة ما رأها. كل هذا جعله سعيداً جداً جداً جداً.

Advertisements

2 Comments اضافة لك

    1. علي كتب:

      والله إن الجميل هو جميل مرورك يا يزيد، أسعد الله صباحاتك

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s