العاصفة تضرب

إنه العام ١٩٨٣م، تحديداً، ليلة الثامن عشر من أغسطس، ذلك الشهر الصيفي الذي يكون -على حرارته- حاملا في طياته بذور مفاجآت مناخية وعواصف لا ترحم في تلك البلاد البعيدة، فلا تسألني عن تناقض وتكامل الخلق عند الخالق سبحانه، أما عن المكان، فهو الولايات المتحدة الأمريكية، ولاية تكساس، وأكبر مدنها هيوستن، وإذا أمعنا النظر أيضا في منظار الحكاية الذي أنظر به الآن وأنا أكتب، نرى أن عدسة التقريب تُظهر عائلة صغيرة جداً أتت من أقاصي الشرق، من بيئة جغرافية قد لا تختلف كثيراً عن الولاية، حيث البراري ورعاية الماشية والتقارب الذهني في الثقافة البشرية والإنسانية. عائلة يقودها الأب الفتيّ، والأم الحنونة الرؤوم، يحيطان بعطفها ذلك الكائن الغض الصغير، يخوض غمار الشهر الخامس بكل جرأة واكتشاف متاح، والذي انقضى من عمره حتى الآن، نعم كان عيشهما القصير في ذلك المكان يجري على أسلس ما يكون، وتقارب العائلات والمكان المهيئ في المجمع السكني ساهم كثيراً في اطمئنانهم واندماجهم بشكل إيجابي حتى تتم مهمة الأب في فترة محدودة نسبياً من عمر الزمن.

الذي فاجئهم تلك الليلة لا يكاد أحدهم ينساه، سوى الصغير، لا يتذكر شيئاً، بطبيعة الحال. الاثنان، الأب والأم بإمكانهم التعايش مع ما يمكن أن يقع في مثل تلك الظروف التي قد أحكيها، لكن الهم العميق يتركز في احتياج ومسؤلية رعاية ابنهم البكر. التفاصيل تبدأ على هذا النحو، يتجه تيار هوائي بارد من عمق خليج المكسيك ليضرب شواطئ الأراضي الساخنة هناك، فيتحول إلى وحش إعصاري مخيف، فقد كانت البداية هذه بتاريخ الخامس عشر من أغسطس، ويتقرب الغول المناخي الذي ساهمت العوامل الجوية القصوى في تكوينه ويبدأ بضرب مناطق آهلة بالسكان، مثل جزيرة غالفستن، وإنها حكمة الله، يقترب أكثر أكثر من تلك المدينة التي تمتليء بالبشر من كل حدب وصوب، هيوسن! إعصار ينذر بعاصفة مهولة وصلت سرعتها إلى ١٨٣ كيلومتر بالساعة وخلفت خسائر بلغت ٦ مليارات دولار بمقاييسنا اليوم!

في ذلك البيت الصغير الخشبي تسمّر الأب أمام الشاشة، مفارقاً النوم، ومتابعاً الأخبار والتطورات، ومتفقاً مع صاحبته على أن ترتاح وتعتني بالصغير، وكان في عقله الهندسي الذي طور آليات التخطيط والاستعداد قد أعد حقيبة سفر وبعض الأطعمة الجافة، وزار السيفوي القريب، الذي كان في حالة من الفوضى العارمة تلك الظهيرة! الرفوف خاوية على عروشها، فالخطر والخوف جعل البشر يتركونها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، مما جعله يتذكر المشهد ويضحك بعد طول السنين، في جوف الليل اهتزت جدران البيت، وعوت الريح وهي تضرب بيد عنيفة نوافذ وزجاج ذلك المنزل، واخترقت قطرات المطر والبرد الثقيلة الأرض والشجر وأعمد الإنارة مثل سهام فولاذية، لا تترك ما تصيبه على حاله! في أعماق تلك الليلة، التسمر أمام الهاتف والاتصال بالزملاء وبالفنادق القريبة هو الملجأ الوحيد لمداواة الروح القلقة، وفي لحظة هي لحظة الصفر، قبيل الفجر رحلت تلك العاصفة المارقة، ولكل شيء حكمة مهما بدا صعباً هذا قدر الله سبحانه، وهناك دوماً أمر جميل نراه بعد العاصفة، بعد أن تمر العاصفة، الآن مع الحقائق، الكهرباء مقطوعة، البيت خال من التغذية، الطرق نوعاً ما مقطوعة والدروب ممتلئة بأعمدة الإنارة التي طوّحت بها الريح في تلك الليلة العصيبة، فكان الأب يتجاوزها في طريق وهو يدير مقود البويك ذات الأذنين، حتى وصل لجهة العمل، فلقد كان قرر أن يستأنف ما جاء من أجله، لكنهم قالوا أن الطوارئ معلنة فعد لبيتك وعائلتك.

Image4

عاد أدراجه، اتصل بفندق قريب، رمادا إن، كانت ضحكة عاملة الاستقبال فيها تجاوز للمأساة بروح إنسانية صرفة، “الكهرباء مقطوعة لدينا مثلكم”، إذن لا مخرج إلا أن ننتقل لمدينة مجاورة، الخطة كانت مثالية حيث أننا في نهاية الأسبوع والرفاق هناك مجتمعون، بضعة اتصالات، بعدها كانت العائلة في الطريق الذي يخترق الغابات، باتجاه المدينة المجاورة الريفية الجميلة، كليرليك، البحيرة الصافية كما تقول الترجمة، وهناك، كان التواصل الإنساني هو دواء الأرواح القلقة المتعبة، الإفطار في ذلك الصباح، البيض الساخن، والقهوة، والطفل ينعم بالشمس على الحشائش الدافئة على الطريف في أحد الموتيلات، وخطة العبور إلى الكرنفال بالمدينة المجاورة، كلها أشياء جعلت من نهاية الأسبوع تلك قصة تروى إلى اليوم, وصارت عطلة مليئة بالسعادة، هكذا تنبثق الأفراح من أعماق المآسي.

حياتنا نحن البشر، على هذا الكوكب لا تخلو من عواصف، عواصف مناخية، عواصف وجدانية، عواصف فرح، حزن، أو قلق وخوف، الأكيد أن علاقتنا، مع من قبلنا ومن بعدنا، تجعلنا نستند لركن ليس بالمنهد، لأننا نعمل وفق فطرة الله سبحانه، والتجائنا له سبحانه، يهبنا القوة عبر وسائل وظروف مثل التي تهيأت لذلك الطفل في القصة، والذي امتد به العمر، والحمدلله، كي يسمع تلك القصة مراراً، ويشاهد الصور مئات المرات، وأن يقرر في يوم ما أن يوثق القصة بالمدى الذي استطاع أن يدركه، حتى يحاول أن يفي من تفضلوا عليه في هذه الدنيا حقهم، وأن يسجل لمن بعده ما قدم غيرهم، ليحذوا هو حذوهم وهم أيضا، وأن يقول لذلك الأب العظيم: إن ساعات انتظارك لي تلك الليلة، و وقوفك أمام بوابة المدرسة في صغري، وقوفك بجانبي عند الطبيب أو في محل حلويات، أو مطعم، كل ذلك عمر اقتصصته من عمرك، وفي قلبي أمنية أن أعيده لك كله، لكن المحال محال، وما في يدي حقاً هو أن أنقل تلك المشاعر لمن بعدنا لينقلوه لمن بعدهم، وتستمر الحياة.

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. M كتب:

    من يصدق ان وراء تلك الصوره الهادئه البسيطه التفاصيل ، لرضيع يجلس على الحشائش الناعمه ، تلوحه اشعه الشمش وكانها تحتضنه للابد وتلقي بظله الصغير جانباً،انه هناك قصص تسبقها لاعاصير وعواصف وتوجساً مشوباً بخوفٍ من المجهول ، ولكن هذا هو ديدن الحياه ، هبوطٌ يتبعه ارتفاع ، حروبٌ يتبعها سلام ، ادام الله على الجميع الهدوء والسكينه والدعه والسلام.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلابك وبتعليقك وسعيد باهتمامك، أما عن الحياة وتقلباتها فهو الأمر الذي لا يغير، أعني التقلب حالة لا تتغير، والجميل أن الحياة تمنحنا الذكريات لتخفف عنا قساوة بعض الأحداث، الحوادث والتفاعلات التي تحدث الآن ستصبح ذكرى لها في نفس الكائن البشري أثر لذيذ هو الحنين للماضي، والرغبة في نقل الشعور للآخرين ولمن هم بعده، شكراً للدعوات الممتلئة نوراً وكرماً، ولك بمثله.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s