مشاكل المدن في ظني

قبل أسابيع قرأت مقالة في مجلة الكويت، المقال يتحدث عن المدن، وهو جزء من ملف طويل حول أدبيات هذا التكوين العجيب في عالمنا، تكوين المدن، وكان المقال المقصود ينصب الحديث فيه عن سلبيات المدن وماذا أفرزته من أشياء قد لا تصب في نفع البشر، والمفادقو أن هذا هو الأمر الذي من أجله نشأت المدن، ولما كنت شغوفاً كثيراً بالمقالة، فلقد صورت أجزاءً منها وشاركتها على فليكر، جاءت التعليقات الكريمة من أخي عبدالله عليها، وكانت دعوته لكتابة مدونة، من حيث أن التعليق وحده لا يكفي، ولقد قرأت تدوينته حول الموضوع، ومنذ ذلك الوقت وأنا أخطط لكتابة تدوينة تتجاوب مع الموضوع.

المدينة في اللغة من مَدَنَ، أي أقام، وهذا الأمر خلاف ما عليه العرب سابقاً من التنقل والطِراد خلف الرزق، وكان حال المدينة ومكة أن رزقها يأتيها بفعل مواسم الحج وبفعل الزراعة أيضاً، فظني أن التمدن مرتبط بالرزق أينما حل رزق قوم أقاموا فيه، ومع المدينة الأولى حيث كانت المدينة جزءا من تكوين الأرض تنمو بفعل مكونات الأرض لذلك استمر اتساقها وتكاملها موضع خير للجميع، لكن مع تقدم الزمن وظهور العصور الصناعية التي بدأت فيها الصناعة توفر الرفاهية على حساب الاستدامة، كل هذه الأفكار حسب ظني ساهمت في ظهور المشاكل على النحو الذي كان تصفها المقالة.

وعندي تحليل آخر حيال القضية، وهو تحليل متعلق بموضوع الرأسمالية والأنظمة السياسة المرتبطة به، حيث أنها أنظمة في ظني غالباً ما تنحرف عن منهجها وقصدها باتجاه نفع البعض على حساب الكل، وهو شأن كل نظام غير محكم التنزيل والوصف، الربا والطبقية تصنع المشكلات، ثم أننا يجب أن ننظر للصورة بشكل متكامل، أن نرى المدن بأشكالها القديمة والحديثة تتكامل، فيجب تشجيع ترابطهما وانتاجهما واستهلاكهما بشكل موزون بما يضمن استدامة كل منهما، أعني أن يبقى هناك سكان في كليهما، وأن يكون الانتاج متوافراً في كليهما، كل بحسب صيغته، السياحة في الريف مثلاً، أيضا الصناعة في المدن، الصناعات اليدوية يجب أن تنمو.

ثم إن الإبقاء على تنوع الوسائل أمر ضروري أيضاً، أن نبقي على أنواع التعليم الجديد والقديم هو أمر حيوي، ويفيد التنوع، أقصد هنا أن أي حالة من الجنوح باتجاه أي جهة ستؤدي بنا إلى نتائج لا تنفع أحداً. ثم تأتي قضية لامستها قبل قليلا ولها علاقة بالبشر أنفسهم، البشر لا يعيشون في غالب الأمر دون جشع ولهذا يجب أن تراقب هذه السلوكيات وتحجّم، أتذكر حديث أخي عبدالله كثيراً عن البيت العربي، وكيف أن مدهش بملائمته لبيئتنا، الحوش الواسع، والغرف الكثير المتلاصقة، ونوع البنيان الذي من مواد أتت من الطبيعة. والسدرة، تلك الشجرة في وسط الفناء، بثمرها وظلها وإمكانية عيشها في أصعب الحالات حراجة، أظن أنه يجب أن يأتينا أحد ما بأسلوب يجمع الاثنين، المدينة القديمة والحديثة، وأنا شغوف بالاستزادة أكثر من هذا الأمر. الكراسي العالية أيضاً، والتي تسمح بالتربع والاتكاء ويسمونها كراوييت حالات جلوس مريحة نفقدها مع الكراسي الأنيقة غير المريحة، الكونكريت المسلح والصناعي قبيح في ظني، وهنا أتذكر أنني كتبت قطعة أدبية عن شعوري تجاه كل ذلك، فهي تصف إحساسي تجاه المبنى الاسمنتي الضخم، و أظنها تتماشى مع هذه التدوينة المتشتتة:

أنا هناك في ذلك المبنى الاسمنتي الجاف، تصميمة ملفت وضخم، ويأسر العين، لكنك تعتاد رؤيته مع الوقت، ليس فيه ذاك المنظر الذي يأسرك كل مرة، مثل أن تنظر إلى نهر جارٍ، أو حقل سنابل، أو بستان ورود ملونة، هذه الثلاث الأخيرة ستشعر معها أن كل لحظة تعني شيئاً مختلفاً، المبنى تراه للمرة الأولى ثم يموت الشغف! يزيد على أناقة المبنى الموشومة تلك الألواح الزجاجية التي تغطي نوافذ المبنى، وكأنهم لا يعلمون عن الشمس التي تضرب المبنى بكل قسوة، والتكييف على أشده في هذه المدينة الصحراوية الجافة. أنا هناك، أتطلع للطريق المزدحم وقت ساعة الذروة، الناس تتراكض لتجمع الطلاب والطالبات من مدارسهم لبيوتهم ليبدأ بعدها بسرعة التباطؤ الشديد في الطرقات وفي البيوت بعد تناول الغداء والخلود إلى القيلولة الذهبية. في صدري تدور أمنيات أن أكمل كتابة روايتي، أنشر كتاباً فيه مقالاتي، صحيح أنها لن تغير الكون في لحظة، لكنه أثري الذي أريد أن أتركهه ورائي، بعض مقالاتي أفخر بها جداً، وبودي لو قرأها كل إنسان،والبعض وددت لو يتوارى وراء النجوم وألا يقرأه أحد أبداً. في صدري أيضا تدور أسئلة، عن الوظيفة والعمل والتكرار الممض، شعوري المحبط بأنني ترس صغير يدور ويدور في فلك منظومة أو جهاز أسطوري عميق القدم لا يفارقني، مؤخراً بت أكثر قناعة بأنني لو درت بأقصى طاقتي كترس، لو عملت أكثر من مئة بالمئة، لن يتجاوز أثري 1 أو 2 بالمئة من التأثير، نعم هي نسبة بسيطة، ومجزية نوعاً ما في مساهمتي بالأثر، لكن! مالثمن؟ صحة أو أولويات أخرى أهم، لا لا ليس بالمجزية في هذه الحالة. لا يعني خمولي ولا أن طموحي في عين آنية، لا، بل أجد في نفسي رفضاً لكل الطبقيات والشكليات المقيتة التي يتسربل بها بواضعة أولئك العاجزون عن المقاومة أو الخانعون للنظام، لحاجة في نفوسهم، نفسي أمقتها في حال صرت مثلهم مرة مضطراً! لو كان الأمر بالطريقة الصعبة لعدم العدل واستوت الأمر كلها على مهل، لكنهم لا جلد لهم على ذلك والطريق السهل أن تضع نظام وتحارب الناس به، وتخوفهم منه، والبديل الأفضل أن تحوطهم بالعناية والرعاية والتراتيبية المتفق عليها كيلا يكون هناك أي شطط، لكن من يسمع؟ لا أحد. لا أحد سوى كيبوردي الجميل التي تتقافز عليه أصابعي اللطيفة. سأكون يوماً ما أريد، أشبه أحياناً لك الامبراطور الروماني سينسيناتوس الذي قاد الجيوش وأخمد الثورات وقبِل أن يقوم بذلك، لكنه قبلها قال للذين أتوه: انتظروا، ثم عاد ليبذر حقله، واصطحبهم للحرب وتوجهم على مجدهم المزيف ثم عاد لمملكته الخاصة، عاد لعقله ولحقله، وترك جنونهم ودنياهم لهم، وبات في سريره المريح قانعاً منتصراً ظافراً عليهم أولاً ثم في الحروب التي خاضها في داخل نفسه وخارجها، حتى بلغ من العمرعتياً.

ثم أمر آخر، مجتمع البلدات القديمة كانت فيه “السكة”، أو الشارع بين البيوت ويكون مكاناً للتجمع الذي يوثق عرى الترابط، هذا ابن فلان وهذه ابنة فلان وهؤلاء أبناء عائلة كذا، وهناك بيت العم فلان، وهذا دكانه، الترابط هذا مفقود مفقود في مدننا، الآن تمحورت العوائل حول أعداد من الأفراد لا يعرفون ما سواهم، عائلة نووية كما تسمى، الموضوع شائك اقتصاديا، سياسياً، اجتماعياً وثقافياً، لكنني حاولت أن أعبر عن ذاتي، بعض الأفكار، لعلها تساهم في خير ما، لي وللعابرين، تحياتي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s