كيف نُسافر؟

في مدرسة الحياة أتعلم أشياء كثيرة، بسيطة، وصعبة، غير مريحة، سعيدة وغير ذلك. فكرة بسيطة مثل، كيفية السفر هو أمر جدير بالتعلم والتعرف والاستكشاف حسبما أظن! السفر له أبعاده الكثيرة، ومزاياه الكثيرة أيضا، على أنه قد يحمل في ذاته بذور انعدام السعادة والتجديد والإنتعاش التي هي في أصلها قد تكون أسباباً للسفر لوتغيير المكان. كيف نُسافر؟ هو سؤال سأحاول أن أجيب عنه بإيجابية في هذه التدوينة وبنكهة فلسفية قليلاً، وسأبدأ من مكانك الآن وأنت تقرأ أخي العابر بالمدونة. لأني أفترض أنك في بيتك منهمك في روتينك، تقرأ من شاشة كمبيوترك أو مستلق في مكان ما تعبث بأزرار هاتفك وساقتك الدروب الطيبة نحو مدونتي البسيطة.

أولاً، إذا أردت أو شعرت بأنك تريد أن تسافر، ابحث عن أسباب تجعلك غير مرتاح في وضعك اليومي الحالي، حاول أن تلغيها وتقللها، علاقتك مع من تحب، عملك، رغباتك الشتى، حاول أن تتصالح معها قبل أن تقرر أن تسافر، وحاول أن تكشف التوترات الخفية في بواطنك تجاه بعض الأمور وانجح في تخفيفها وتحويلها لمسار تتلاشى معه وفيه، هذا لأسباب ستتضح بعد قليل.

بعد ذلك اختر وجهةً بإمكانها أن تتوائم مع إمكانياتك، أعني المادية والمعنوية، ليس كل ما يشير إليه الناس من حولك بأنه الأفضل والأصلح هو فعلا الأفضل والأصلح لك، هناك قواعد عامة نعم، مثل أن تشتاق للبحر، أو للجبل، أو للخضرة والأنهر، أو للصحراء حتى، المؤكد أن تعرف تماماً ما يناسبك أنت، وأنت وحدك، واضرب بعرض الحائط كل سبب آخر يدعوك الناس عبره لاختيار وجهة ما أو مكان ما لتسافر إليه، أنت من سيسافر وينفق وقته وماله وطاقته لا هُم.

لا يتسربّن إلى خيالك لحظة واحدة أن كل مشاكلك ستختفي بفعل هذه الإجازة، وزنك الزائد، صراعاتك في العمل، قلة ذاكرتك، مخالفاتك المرورية، النفقة على الآخرين، كآبتك ستختفي بمجرد أن تنحى بوجهك عنها لأيام معدودة. الأجدر أن تتخذ العلاج لها قبل أن تغادر، وأن تختار وسائل للقضاء عليها قبل أن تسافر، السفر في هذه الحالة فقط سيكون عاملاً إيجابياً في تجاوزها والقضاء عليها. لأنه سيساعدك في استجماع قواك وتجديد نشاطك واندفاك، سيشحذ منشارك مثلما يقال.

إذا حامت في رأسك فكرة السفر، تجنب تلك الفكرة الثقيلة التي تجعلك تظن بأن أدنى الأسباب وأبعدها قرباً من مشاكلك هي سبب مشاكلك كلها! ماذا أعني؟ بعض البشر يعتقد أن مشاكله التي هي من قبيل الأشياء في الفقرة أعلاه، لها علاقة بأن السماء غائمة، أو لأن الأرض مجدبة! ربط الحوادث عند هؤلاء مأساوي وتراجيدي بشكل ملفت، لا تكن منهم، وتقبل، تقبل ما تراه بعينيك ولا تربط الأشياء الغير إيجابية ببعضها البعض حتى تستمع بسفرك لا أن تعود إلى المربع الأول.

السفر، يسفر عن الأخلاق، لا تتفاجأ وأنت ترى كل المتاعب التي يوحيها السفر ويفرضها على كل نفس، مهما كبرت، السفر قطعة من العذاب مهما كان، لكنه عذاب مستعذب إن صح القول، الأمر كله في عقولنا، لا تسمح لأي ضغط خارجي أن يتسرب لداخلك، ستجد أول الأمر، التفتيش، الطوابير الطويلة، موظفو الجوازات العابسون، رجال الأمن بسحناتهم الصارمة وعيونهم الجاحظة، هذه كلها تهويشات سينتصر عليها “تنين” سعادتك وفرحك وذكرياتك الجميلة التي ستنسجها في أيامك المعدودة أثناء سفرك. ومرة أخرى أقولها، اطّرح عنك شكوكك وارتيابك حول طلباتهم المربكة مثل أن تخلع حزامك قبل التفتيش أو أن تمرر جهازك عبر الآلة الجهنمية التي تكتشف كل شيء يمر من خلالها، تصالح مع كل ذلك.

لا تنصدم بالفوارق المدهشة التي تصادفها عندما تدلف لفندقك، غرفة الخمس نجوم التي بالغوا في تصويرها قد لا تتسق مع ما تراه عينك، ليس الخبر كالمعاينة كما نقول نحن العرب، الأمر ليس إلا موضوعاً موضوعياً “سبجكتف” كما يقال، المهم، أن تلقي كل تلك الهموم جانباً، ذلك لأسباب كثيرة، أن الأمر وصل لهذه النتيجة، ولعلك لا تملك تغييرها، فتمسك بخياراتك، ولا تسلم لوحة مفاتيحك لأحد آخر، انكفيء على ذكرياتك وانسجها حول المكان، واستغل الحاجات من حولك كما تريد، والخيارات بيدك، غادر المكان، لكن لا تنفعل أو تتحول إلى إنسان ميلودرامي في فلم الحياة المدهش، كن ضحكة أو ابتسامة أو قهقهة في مقهى خير لك من أن تكون صوتاً نشازاً أو شجاراً مطّعم بالكلمات البذيئة. عبر عن ذاتك، نعم، لكن بأسلوب وطريقة أكثر إيجابية، اكتب يومياتك مثلاً، أو شاركها مع الآخرين بطريقة أكثر إنتاجية ومتعة.

إذا أردت أن تعبر عن مشاعرك مثلاً عن بعض الأشياء التي لم ترق لك وأنت تسافر، تذكر أن هناك مشاكل في العالم أعقد وأصعب من أصعب ما قد يواجهك في سفرك، أمراض مستعصية، مشاكل حروب، نهايات مأساوية، عودتك لفكرة أنك تتنفس وأنك ما تزال على قيد الحياة والتفكير هو أمر جدير بالاحتفال فلا تضيعه، لا تضيعه أرجوك! تفاعل مع من حولك بكل حواسك الجميلة، لا تنقم ولا تستأ من رفقاءك الجميلين الذين رافقوك وتحملوا ما تحملوا ليكونوا معك، لا تنس تلك الفكرة البطولية التي تقمصوها وهم يتبعون خطاك وقيادتك لهم في كل لحظة من سفرك، أعني أسرتك وأصحابك، يجب أن يقدر كل واحد منهم أننا في رحلة، ننسج الذكريات التي سنضعها في رفوف الذاكرة وستبقى للأبد، لا تجعلها ذكريات غير مريحة، رجاءً.

لا تلق باللوم على الأشياء السخيفة التي قد تحصل على من معك، الأشياء تحصل بسببك ربما أو بسبب آخرين، أو بلا سبب محدد، فلم تقحم الآخرين في أشياء ليست لهم ولا منهم فقط بسبب مزاجك السيء؟ ولا تفاقم شعورك السيء ذاك، أنهم لم ينجحوا في إخراجك من هذا المزاج في هذه الإجازة. لا تتفاجأ بأن حياتك المعتادة لا تزال تدور هناك بعيداً عن مكانك كما هو معتاد، وأنك لو كنت قد اعتدت ربط هاتفك برسائل العمل واتصالاتك بالآخرين، فستستمر في نفس الدوامة التي اخترت أنت أن ترتاح منها ولو قليلاً، ومن حقك الانفصال، واذا لم تنفصل عن كل ذلك، لا تتفاجأ، أنت صنعت قدرك، “ناقل داك برداك” مثل ما نقول بالنجدي، نقلت داءك برداءك.

لا تتضجر، من أن سعر عصير البرتقال غالٍ هنا، أو أن سعر الببسي بسبعة ريالات! مثير للدهشة كيف تُختار القضايا المحورية في حياة البشر بهذه الطريقة، وهناك أمور أكثر أهمية مثل أن تكتسب غنى فيما حولك من مشاهد وآثار وأفكار ووجوه جديدة. مثل أن تكون مهتماً بآثار الرومان، فتنتقل هناك لتراها عن قرب، وتكون في أعماق تراها خرائب لا ترتبط بأي فكرة أخرى، ثم لم كنت في حال تلوم الجميع على سوء التخطيط الذي لازم ذلك الأمر، بما فيهم الرومان أنفسهم، والذين شبعوا موتاً! ابتهج ففهي الحياة أشياء أخرى حقاً تبعث الأسى.

أنفق مالك أثناء سفرك في أشياء ذات قيمة لحياتك، أو أشياء ترتبط بالمعضلات التي لها علاقة في حياتك، لا أتخيل مثلا أنك تسافر لأقاصي الأرض وتعود وأنت مشتر سجادة تحملها على ظهرك، الأشياء التي سنحتاجها ترتبط بأن تجيب على حاجة حقيقية في دواخلنا، ليست أمراً نظن أن سيعالج أو يرمم وضعاً غير صحي نمر به، هذا كلام لا أدري كيف كتبته؟ لكن جرى لسان الحال بذلك. أمر آخر لا تمارسه أثناء سفرك، لا تجبر ذاتك على قراءة كتاب ما لمجرد أنه فاز في تلك الجائزة أو تلك، اختر كتاباً يعجبك أنت، يعجب الناقد الصغير في داخلك، أو يتسلسل مع قراءاتك السابقة. أي شيء عدا ذلك سيساعد أكثر في عدم انغماسك في الأجواء الجديدة ولن تنسج الكثير من الذكريات التي ستحتاجها في قابل الأيام لتقاوم الوحوش التي ستهاجمك بها الحياة.

لا تتعامل مع ألمك وتعبك بطريقك تجعلك تشعر بالفشل والضيق وعدم السيطرة، تلذذ بألمك، وتخيل أنه ضعف يغادرك فتغدو أكثر قوة، الحياة تلسعنا بسياطها لنستعذب شعور العافية والطمأنينة والسلام، وهي سلاسل متعاقبة من هاذين الشعورين، نحتاجها لتستمر العجلة في دورانها، هذا قدرنا كبشر، نسافر لنتعب ونعود لنحتاج إجازة من الإجازة، وهو الأمر الذي حاولت أن أشح طرقاً تجعلنا نتجنب مثل هذا الشعور بعد أن نكون في رحلة العودة، وألا نعود لنفس الدوامة في السنة القادمة ولنتخذ أسلوباً أرشد وأقوم ونحن نجيب عن التساؤل الملفت: كيف نُسافر؟

ملاحظة: هذه أول تدوينة (من أصل ٥٢ تدوينة إن شاء الله تعالى) لأحد مشاريعي لعام ٢٠١٦، بعنوان: تدوينة كل نهاية أسبوع، الله نسأل أن يطرح البركة

Advertisements

4 Comments اضافة لك

  1. اننيموس كتب:

    حسناً لا اعرف كيف ابدأ بالتعليق الحديث عن السفر احسه مسأله شخصيه تمسني ههه حيث اصبح من صفاتي، اولا وقبل كل شي السفر هوايه هوى عشق حب اكتشاف مغامره قد يجر وراءه الكثير من الطاقات صبر جلد فمن لا يجد فيه تلك الصفات فالافضل ان ينسحب او يكرر زياره مكانه المفضل المعتاد ، من بدايه فكره السفر لا يجب ان يترك شي للصدفه لا ابالغ فان الترتيب لسفره ما قد تاخذ تخطيط عامٍ كامل من جمييع الجوانب اشبه ماتكون بالدراسه ، وكما اسلفت يجب اخذ اولويات اهمها الماديه ، السفر سنويا لوجهات بعيده ومكلفه فكره اتحنبها لكونها مرهقه للجسد والجيب ، فكر عزيزي المسافر باكتشاف المناطق التي حولك اولا وتوسع كالدائره في محيطك ، لا اعلم ما السبب ولكني كبحت جماح رغبتي بالتوجهه للولايات المتحده الى ان زرت معظم مناطق المملكه واهمها المدينه المنوره لم استسغ زياره تمثال الحريه قبل صلاه في روضه رسولنا صلى الله عليه وسلم فكان لي ذلك ولله الحمد والمنه ، كلن له ترتيباته ولكن طرحت ذلك على سبيل المثال لا للعشوائيه ، والمرونه المرونه والايجابيه في حياتنا دوما وفي الاسفار لانها احيانا تأخذنا في مواقف نخرج منها من اماكن الراحه المعتاده فهي نوعا ما من تغيير الجو :) ، السفر تجدد روح مع استنشاق هواء جديد وجوه جديد بهجه عين برؤيه طبيعه مختلفه بناءٍ مختلف تراثات مختلفه بهجه للاذن سماع لغات مختلفه بهجه للعقل متاحف مكتبات طرق فكر مختلفه ، هذا هو السفر اماكن تحلم بها طويلا تراها صوراً ثم تحط بك الطائره لتراها واقعاً تلك نشوه السفر (حاليا احلم بالشفق القطبي والحضاره العثمانيه )، اما قضاء الوقت على ضفاف المقاهي ( والتطمش) ، والتسوق بشكل يومي ، في بلدان مستهلكه سياحياً اعتبره ضرباً من انواع الجحيم والقعده في البيت مع كتاب افضل…

    إعجاب

    1. علي كتب:

      تعليق رائع شكراً لكم، جميل جداً فلسفتكم للامر، السفر من الأشياء الضرورية في ظني لكل بشر، طالما استطاعه، لنتأمل فكرة الحج، وغالب الناس تحج من كل فج عميق، فحتى في إرثنا نرى أن السفر أمر ضروري، الأنبياء عليهم السلام تنقلوا من مكان لمكان، حسب مقاييسهم، السفر تكتسب به النفس البشرية تجربة لا تكون حال الإقامة، على أن السفر قطعة من العذاب حتى لو كان عبر الدريملانر الامارتية، والسفر أمر ضروري، لكن إذا قضيناه وقضينا نهمته أن نشد لأهلينا وديارنا، السفر من ألذالأشياء أيضاً، أجمل ما فيه لحظة العودة، فرحة الأوبة، أن تصل للأرض بعد غياب في الجو مثلاً، أن تلتقي بأشياء ما رأيتها بأم عينك، أن تصفها للغير، أن تختزن المشاعر في صدرك ثم تنثرها هكذا بجمال في تعليق على مدونتي البسيطة، هذا هو السفر اللذيذ، وفكرة الأولويات والاستعدادات مهمة وسعيد بذكرها في تعليقك بهذه الكيفية، أضفت للموضوع حقيقية، والبدء بالأقرب فالأقرب أيضا ضروري، وفكرة تحديد الغرض أهم بكثير من مجرد السفر، السفر القاصد هو قضية بالنسبة لي، وأحب الأشياء عندي أن أخطط لذلك. سعدت بتفاعلكم الرهيب، تعليقكم ليس تعليق إنما هو جزء من التدوينة والمدونة، شكراً لكرمكم وتفاعلكم، مرحباً بكم في كل لحظة.

      إعجاب

  2. mayadazaid كتب:

    كل التوفيق

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s