تيوفيل غوتييه وقصصه الفنطازية

on

الميتة العاشقة

أود أن أصدّر مراجعتي لهذه المجموعة القصصية بتسجيل اهتمامي الشديد وانجذابي لهذا النوع من الفن الذي اكتشفته مؤخراً، اكتشافي لا يعني أنني لم أقرأ من قبل قصصاً أو روايات تشبه القصص الواردة في الكتاب محل المراجعة، إنما انتباهي لهذا النوع وبحثي عنه وعن مدلولاته وأصوله وأساليبه، أعني بالنوع، نوعية القصص التي تدور حول الخيال والواقع، وممازجة بين الخرافة وبين الحقيقة، وأيضا الربط الوثيق بتكثيف الصور والتوصيف الدقيق للشخصيات والأمكنة والأحاسيس التي تدور حولها كل قصة بدأ بعد قرائتي للكتاب. هذا الشيء اختبرته مع كتاب كثيرين ومع كتب كثيرة، ولعله ليس المجال هنا أن أتذكرها وأسجلها، لكنني أستطيع تسجيل رغبتي في الإستزادة من كتب وقصص تدور حول هذا الأسلوب. ثاني الأمور التي أود تسجيلها والحديث عنها قبيل استعراضي للكتاب هو محاولة الإجابة على السؤال الذي يقول: لم أعجبت بمثل هذا النوع من الأدب؟ الجواب: أنني أشعر وأنا أقرأ مثل هذه القصص بشعور رفيع من الانفصال عن مآسي الواقع ومتاعبه ولو لفترة وجيزة، أيضا تعميق إحساسي بالأشياء من حولي في آن واحد، ذلك أن الدقة في الوصف وتوضيح الصورة من خلال الكلام هو أمر جدير بالتأمل والتعلم. وهذا الأمر يغذي ذائقة المرء وقدرته على نقل ما يشعر تجاه الأشياء من حوله في ظني، مهما كبرت أو صغرت، قربت أم بعدت تلك الأشياء. هذا عنصر مهم من عناصر تفاعل الانسان مع الحياة، فماهو الانسان دون تفاعل وتواصل؟! مع ذاته بالمقام الأول ثم مع الآخرين. وأمر أخير لا أنساه، وهو أنني لست بالمختص ولا بالناقد الفني، لكنني متعذب مستعذب ومستمتع بهذه المجموعة وقررت أن أخوض غمار تسجيل ملاحظاتي والأشياء التي أعجبتني حولها باستفاضة كونه من أجمل الكتب التي قرأتها هذه السنة.

بعد التصدير أبدأ بكل ذلك النقاش الذي تضمنته مقدمة الترجمة، وتدور حول أصل الفن وتاريخ الكاتب، أما غوتييه فهو كاتب فرنسي عاش في منتصف القرن التاسع عشر، وانغمس في الرومانسية فترة من الزمن، ثم ارتد عنها نحو مذهب فني آخر اسمه النارسية، والنارسية مذهب متعلق بالوصف والمتعة والفن، بعيداً عن الاغراق في الذات التي تنادي بها الرومانسية، النارسييون يقولون بالفن لمجرد الفن دون أي قضية أخرى، وغالباً ما تتكون المدارس الأدبية والفنية نتيجة ظروف الحياة التي يمر بها المجتمع وتنعكس على النخب التي تعيش فيه والعامة على حد سواء. والكتاب هذا ومجموعته القصصية كتبت بأسلوب فنتازي أو فنطازي، هذا الأسلوب يسمونه الأسلوب الغجائبي الغرائبي، حيث تظهر أشياء خارقة وتمتزج بالواقع بطريقة فنية تجعلك قريباً من التصديق بها، والحقيقة للوهلة الأولى خشيت أن يكون الكتاب والمجموعة القصصية مغمارة أخرى أخوضها من كتاب مترجمة قد تخون الترجمة فيه النص الأصلي فتغتال المتعة المتوقعة، لكن الكتاب خيب ظني في ذلك وأثبت أنه جميل جداً حتى بترجمته العربية، المترجم والمراجع بذلوا جهداً رهيباً حتى في الحواشي وحشد المصادر والتفسيرات التي قد يضن بها من قد يقوم بدورهم في مناسبات أخرى، وجهد المترجمين ملموس وأضاف إبداعاً أجمل للكتاب والقصص.

وفي المجموعة القصصية تحفيز للشعور بما يخفى عنا كبشر ولا نشعر به وهو موجود لكننا حتى لو لم  ننتبع يجدر بنا أن نصغي الانتباه نحوه، اللاملموس لا يعني أنه غير موجود، لأن هناك أشياء لا نلمسها لكننا نرى أثرها، وهنا تجد الكثير من القصص تلامس هذا الوتر، أيضا جانب آخر مبدع في القصص هو اعتمادها على آثار وعلى قصص وعلى أحداث تاريخية حقيقية لتفسير بعض الظواهر، وهذا أمر يضيف للمتعة والفائدة أبعاداً أخرى. الكتاب والقصص قد تذكرك بقصص ألف ليلة وليلة وفي هذا لعب على وتر يحبه العرب أيضا وهو وتر الحديث والقصص والخيالات، وهل من متعة ألذ من متعتها؟

الآن حان الوقت لتصنيف وتقييم كل قصة على حده، وسأحاول تسجيل انطباعي كما وجدته في نفسي عن كل قصة. في الكتاب تسع قصص كنت متشوقاً لبدء أولها، لأن عنوانها مثير، عنوانها “إبريق القهوة”، وبمجرد أن بدأت تسلسلت في القراءة بسلاسة شديدة حتى بلغت القصتين الأخيرتين، كانت القصة قبل الأخيرة: تقمص، والأخيرة: جتاتورا، وهي أطول القصص، استغرقت نصف الكتاب، حوالي 200 صفحة! ولقد وجدت الطول المفرط مقلقاً وغير ممتع، على غلاف الأوليات، حيث أنك تتفاجئ بتصاعد الأحداث وتسلسلها حتى تفجعك النهائية!

القصة الأولى: إبريق القهوة، عندما تبدأ القراءة تتكشف لك معالم هذا الفن من ناحية الإسهاب في الوصف والتصوير، فيصفون القصر والغرفة وغيرها، والقصة تحكي عن رجل ينام في غرفة الضيوف عندما يزور أصحاباً له، وهو يشعر بالحمى فيتراءى له أثناء النوم أن كل ما يوجد حوله يشارك في رخصة ليلة محمومة، وهو نفسه يجد نفسه يراقص حسناءً تذكر أن صورتها على الحائط تزينه وأنهم ذكروا له وفاتها منذ أمد بعيد، ويصف إحساسه بها ومعها وبعدها، المثير هو أن ابريق القهوة المكسور المتهشم أثناء الرقص يظهر مكسوراً بعد الحلم!

القصة الثانية: أومفال: هذه القصة كذلك تروي حلماً ينتاب الشخصية الرئيسية وهو في بيت أقرباءه، فتظهر الشخوص من اللوحات وتعيش معه وهو مصدق وغير مصدق. وفي أثناء القصة يصف الكاتب بأسلوبه المذهل مشاعر الشخصية تجاه كل هذه الغرائب وتفاعلها معه، وبطريقة مدهشة تفصلك عن الواقع.

القصة الثالثة: الميتة العاشقة: عنوان المجموعة القصصية، وهو نفس عنوان الأصل المترجم من الفرنسية إلى العربية، تحكي قصة أحدهم عندما يتعلق بفتاة يتبين أنها مصاصة دماء، ومشاعره في التقرب وفي الابتعدا عن عالها الغرائبي الذي يتكشف رويداً رويداً، مجدداً كان لاسلوب التصوير وتفاعل الشخصيات أثر مذهل ومدهش في نفسية القاريء، وفيه وصف دقيق لمشاعر الحب والتعلق ونهاية مأساوية يفتقد فيها محبوبته بكل أسى.

القصة الرابعة: الفارس المزدوج، قصة فارس ولديه نجمان يرافقانها ويظهران بحسب الموقف، وفي نهاية الأمر يصطلحان، قصة وصفية لذيذة.

القصة الخامسة: قدم المومياء: قصة أحدهم يدلف لمحل بيع القطع الأثرية ويشتري قدما مومياء تتسارع الأحداث الغرائبية بعدها بشكل لن تمسك معه عنان مخيلتك.

القصة السادسة: ممثلان من أجل دور واحد، فظيعة من ناحية النهائية الصادمة، حيث تتعقد الأحدث عند ممثل مسرحي، ثم يخطي ويصيب ويظهر في النهاية الأمر على خلاف ما تعتقده تماماً!!!.

القصة السابعة: ذكرى من بومبي، تحكي أسطورة تمثال يعود للحياة لإمراة ايطالية والغرائب حول ذلك، والوصف المشوق، وإغراق في لذيذ في وصف مشاعر زائري المتاحف، وكيف يتهيأ لك أحيانا أن التماثيل قد تكون أناساً يراقبونك من بعيد! في القصة مفاهيم أبعد من ذلك كالحديث عن الزواج والعلاقات والمحبة وخلاف ذلك.

القص الثامنة: تقمّص، تجربة علمية لتبادل الأرواق تجري بشكل مثير، لولا طولها لأعجبتني لكنني مللت الإسهاب.

القصة التاسعة: جتاتورا، لعلها أكثر القصص مأساوية حيث يقضي بطلها المسكين بول ضحية العمى المقصود ليحمي محبوبته من عينه الشريرة التي تضر بكل ما يعجب به ويحبه، جتاتورا تعبير ايطالي يعني العين الشريرة، جميلة ولطيفة لولا طولها أيضا.

هكذا مررت بسرعة، وربما بشكل غير محبوك تماماً على القصص جميعها، وحقيقة أعجبني الكتاب وأتطلع لقراءة المزيد من هذا الفن من المؤلف نفسه أو غيره، لاسيما أنني فهمت أن الكاتب له كتب أخرى في الرحلات وخلافه الى مصر والجزائر فهو جدير بالبحث والاطلاع، تحياتي وبالتوفيق للجميع.

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. يزيد كتب:

    جميل جدا يا علي ..

    إعجاب

    1. علي كتب:

      الجميل إطلالتك بين فينة وأخرى يزيد، شكراً جماً طاب مساءك

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s