أيامٌ وأُناس – 2

on

أطُلُّ من نافذة الأيام وأسجل ما يعبر بخاطري وأنا أعبر بأناس شتى

الأحد

أصل إلى المكتب بعد نوم عميق، سبقته ليلة مليئة بالأحداث والدروس والأفكار، أصل إلى المكتب وأنا أفكر برائحة القهوة السوداء، وبالفقاعات التي تضحك معي وهي تدورس على سطح الفنجان، أصل إلى المكتب متأخراً قليلاً، لم العجلة. أصل إلى المكتب وأقترب من مكتبي وأبدأ بكرسيي وأسحبه ثم أرتمي عليه. هنا وفي هذه اللحظة أسمع مواء قطة! لا لا إنني غير مندخش للصوت لأني أعرف مصدره، لا قطط في المكتب، لكن لدينا، أنس! أنس هذا الشاب الواثق ذو الجذور العميق، المتخم بالتجارب على الرغم من صغر سنه، آثار التربية تطفح من كل بقعة من جسده وفي كل لفظة من ألفاظه، محترم، ليس بالخب، أبداً، واضح مباشر، وذو خلق رفيع، لكنه، منفلت التصرفات، عفوي في تعليقه على الأفكار، تسمعه يتمتم بغرابة شديدة تجاه بيروقراطية الشركة في أمر ما، شختبلمارتيخخخمش، كلمات مثل هذه تصدر من فمه، عندما يقرر أن يخالفك، بشبه الكرتون في ردود فعله. أفكاره رغم حداثة سنه تمتزج فيها الاستقلالية والقوة والثبات والثقة، درس سنيناً في أمريكا، ثم عاد وعمل في شركة أجنبية قبل أن تحط رحاله في شركة شبه حكومية. يعجبني حذره الشديد وتمحيصه للأفكار، ليتني مثله، أو لا لا لا أريد، لكل منكم جعل الله شرعة ومنهاجا، يجادلني في التقنية والخصوصية، وفي الاستشاديين، وفي تحليل مسالك الناس، ونبحر دوما في أفكار قرأته وأعجب كثيراً بعرضها عليه، أنس شاب أعزب، ضحكت مرة من مفارقة اسمه عندما يترجم للانجيزية، فاستغاث بي متوسلاً أن أستر العيب! صبغة من الالتزام الشرعي والتربية الحصيفة أضافت له كشاب من عاظلة نجدية محافظ الكثير. واقعي جداً هكذا يصف نفسه، عنده الواقعية تعني نبذ الأحلام والخيالات، حتى ولو كانت قصيدة أو بيت شعر أو فكرة أدبية، كلها هراء عتده، وهنا أختلف شديداً معه. أنس ذو اللحية الخفيفة والنظارات الضبابية بفعل الخدوش، لا يعتمر شماغاً وإذا اعتمره بدا لو أنه من أطفال العيد. وجسده النحيف جداً، لو هبت ريح لأودت به. ثيابه مهلهله ليست أنيقه، هذا حال المهووسين القيكس كما يسمونهم، هاتفه طراز قديم ملأه بتطبيقات منع الإعلانات التجسس والاختراق، وهو محق، وله الجلد على ذلك، سميته مرة الدجاجة النقاقة، تلك التي ذكرت في قصة البط الدميم، لأنها تعيدك للواقع دوما بعيدا عن حلمك وشغفك، دورها مهم لكن لا يجب أن نركن إليها دوما، لأننا سنخلد إلى الأرض بذلك، بعدها صارت نغمة هاتفة صوت ديك يصيح، أضحكني جداً. لغته الانجليزية ممتازة فنستطيع أن نتبادل الأفكار الغربية بسهولة. ما رأيته يتناول قهوة ولا شاياً قط، ربما يوفر ماله؟ يتناول العصير ويهجم على غرفة الاجتماعات بعد انتهاءها ويطوف بصحون الفطائر ودوما ما أعتذر منه، يسبب لي حرقان يا أنس، فيتبرم من قولي! أنس، يمشي ويلحقه سؤال واضح، هل من الممكن أن يستمر في الشركة؟ إه أميز وأكبر من حجمها، لكن الراحة عامل مهم، والله أعلم.

الأثنين

شعيب، كشميري، يظنونه ماليزياً، ذلك لأنه دائما ما يبدأ معرفاً بنفسه، أنه درس إدارة الأعمال في الجامعة الإسلامية في ماليزيا، ثم جاء هنا ليدرس في الرياض مع أبيه الذي يعمل جرّاحاً، والمفارقة أن أبوه الطبيب يعمل في مدينة اسمها الدوادمي قرب الرياض، تعج بالبدو والجمال، شعيب، مبتسم ومتفاءل دوماً، حتى لو غضب لا تراه غضباً بشكل شرس، لحيته الصغيرة عند ذقنه، وجهه الأبيض، شعره المهذب والمرفوع إلى الوراء، كلها تشي بأنه شامي ربما أو حتى سعودي، لن يطرأ على بالك أنه هندي أو باكستاني، ربما كانت هذه سحنة أهل كشمير، لعل شكله الوسيم يذكرك بروعة طبيعة كشمير نفسها، حيث الخضرة في كل مكان والأنهار والحبال، والنسيم العليل، لكنه يحكي لي دائما عن إضطراب منطقتهم، ويعلنها صراحة أنه يميل إلى باكستان أكثر من الهند على الرغم من أنه هندي الجنسية، الباكستانيون مثل العرب مليئون بالعاطفة تجاه بعضهم ومن يشابههم، أما الهندو فهم يشكلون قومية معتزة بذاته، مثل الفرنسيين مثلا أو الألمان، الباكستيون تشعر أنهم يشعرون بروابط أبعد من قوميتهم أو وطنيتهم. أعود إلى شعيب، شعيب، يعرف العربية، وهو سر اكتشفته مؤخراً لكنه لا يحب أن يعلن ذلك، لأنه لا يريد أن يضيع في متاهات لغتنا المحكية العامية، وأن يفوته شيء من الحوار، فتراه يشدد دوماً على أن نتحدث بالإنجليزية، وهو متفوق فيها نوعاً ما، يتذكر بامتعاض سنوات دراسته في ماليزيا أنها لم تكن جيدة، كان يشتكي من صعوبة تعامله مع الماليزيين ولغاتهم، وكذلك لصغر سنه ذلك الوقت وعدم اندماجه معهم. شعيب مهووس بالدرجات العالية، لا يقبل إلا بدرجة كاملة! لايدري أن كل هذا لا يستحق العناء بعد سنة أو سنتين من الدراسة، كم من طالب كانت ولا تزال نظرته ضيقة أن الحياة بالنسبة له هي درجات وعلامات، لا يدري أن هناك أناس تسنمو ذروة المجد وهم لا يحملون الابتدائية، العلم ليس في الشهادات، العلم في الشخصية والسمات والتعلم، والبحث عن الجديد، وفي الشغف وفي التواصل الانساني، شعيب، مهذب جداً، لعل ذلك من باب إذا كنت غريباً كن أديباً، شكى لي كثيراً من تعب المحاضرات ومن ملله من ذلك المدرس أو ذلك الطالب. أحاول أن أدرب نفسي معه على التحاور على توضيح وجهة النظر، أظنه يتقبل غرائبي. لكنه لا يقتنع بها كلها. ماذا أقول عنه أكثر؟ لست متأكداً. لعل ما ذكرته كافٍ.

الثلاثاء

يقولها دوماً، الله يعز الحكومة، وأرد عليه، آمين وإياك، ضحك منها كثيراً. لكن ضحكه الكثير لا يوازي انتباهي لتكرارها، ولانتباه الكثيرين، صلاح الدين، ليس أجنبياً عن السعودية، بل هو رجل من عمق أعماقها، ولا أدري لم سماه أبو بهذا الاسم المركب، صلاح الدين، أخمن أن أبوه كان مدرساً للتاريخ، ولاإعجابه به دار في خلده الاسم كثيراً، صلاح الدين من أهل الحوطة، لذلك تجد في سماته الطيبة، وفي لكنته الانجذاب، يعجبني مسار تجربته الملفت، ذلك لأنه ينتمي لجيل سبقنا، جيل السبعينات، فهو ليس في سن آباءنا مثلاُ، لا يزال قريباً، أكبر أبناءه أصغر مني، اقترب من نهاية الثانوية، يعني أنه مر بتجارب أكثر واستقرت شخصيته أكثر، ويروق لي الشخص الذي لا يجد فوارق في العمر مثل صلاح الدين، نتناول الغداء مرات عديدة في العمل، ويجري الحديث بكل أريحية واهتمام، حتى لو كان عن الأحذية أو نوعية منتجات تباع بالبقالات، لا يجب أن يكون الحديث معقداً وهذا ما أحبه دائماً، الأريحية. صلاح الدين، بأناقته الشبه مكتملة، مواظب على الاجتماعات، ويغلق ياقة ثوبه دوماً. ويكوي شماغه باستمرار، وخبرته التراكمية تساعده جداً. ذكر لي كيف أنه عاش في الدمام ردحاً، ثم الرياض، وعمل بالحكومة بالقطاع الخاص ثم الحكومة مجدداً. أشعر بدعمه واهتمامه وهذا يسعدني ويسرني وأود دوماً أن أسجل تقديري لذلك. لا أدري ما الملفت فيه، لكني تعلمت منه الاستراخاء والراحة والتقبل القلق لبعض المهام الشبه طارئة، وتعامله المرن والذكي مع المستجدات كأي موظف سعودي ناضج. لا أدري هل سأكون مثله، أمارس صلاحية المدير بهذه الطريقة؟ لست متأكداً. لكنه شخص وددت أن أسجل الحديث عنه وهذا ما تم. والله يعز الحكومة، آمين وإياك أخي القارئ.

الأربعاء

صلاح، ليس صلاح الدين، صلاح آخر، شاب مرح للغاية، متفاءل وواثق جداً، في لسانه تلك اللثغة المختفية، عندما تنقلب الراء واواً، يعجبني أسلوبه في حكاية القصص الطريفة، مبالغة بالتفخيم على نهاية مقاطع القصة تجعلك حتماً تقلده مرات ومرات، مثل قصة قودزيلا في مدينة الألعبا، عندما زار قبل فترة مصادفة مدينة ألعاب قريبة، وكان هناك رجل يرتدي زي ذاك الديناصور المخيف الذي يهاجم المدن، لا أدري لم يختارون مثلها للتعامل مع الأطفال، الشاهد هنا أن الأطفال هاجموه بكل ضراوة وبكل ما أوتوه من قوة، منظر القودزيلا الضخم وهو يضرب وتعليق صلاح عليه يجعلك تضحك للأبد! ثم يعقب القصة بتعليق، يجعلنا نتخيل لو مر بنا قودزيلا اليوم هنا في المكتب، وتنفجر الضحكات لسبب لا نعلمه تماماً. صلاح رياضي، ويرتدي عجسات لاصقة، لذا سلفت انتباهك عندما تراه بنظارته وزجاجها السميك، أستغرب لم لا يقوم بعملية ليزر لمعالجة عيب النظر الذي يعاني منه، انغماسه في الشباب، وعدم تفكيره مطلقاً في الزواج يثير تساؤلي، أقصد أن العمر يمضي، وغالب الأمر أنك ستحتاج أحداً تمضي معه بقية حياتك وكذلك تترك أثراً في حياتك. لكنهم يفضلون الانطلاق والحرية والسفر في نهاية الأسبوع، والرحلات الطويلة الى أمريكا وغيرها. صلاح، متمكن من عمله، واجتماعي بشكل رهيب، وسهل المعشر ومحترم، يحب اللاتية المثلج، ويشترك معي في ذلك، ألتقيه بين الحين والحين بصحبة صاحبي صالح، الذي تحدثت عنه هنا في الجزء الأول. صلاح ملفت ويضحكني تعليقه وذكاءه لذا وجدت له مكانا ً هنا.

الخميس

ريان، لأكون صادقاً في تدوينتي هذه، لقد اخترت الأناس هذه المرة بعد تمعن، ولم يكن حاضراً في ذهني كل يوم من سأتحدث عنه، وريان جاء ببالي الحديث عنه هكذاً، من دون تخطيط. هذا الفتى الشاب، يغرني بخمس سنوات وبما، طموح وأنيق مبتسم، ومهندم، يرتدي ساعة ذكية، ونظارات سوداء، شعره البني المائل للشقرة، وجسمه الرشيق، وبياض بشرته مع سكسوكته وشاربه المنحوت بعناية يشي بشكل شاب سعودي نموذجي. يعاني من التأتأة الخفيفة التي أتجاوزها تماماً عندما أتخاطب معه، لا أحب أبداً أن يشعر بشيء لا يريحه، ولا أدري حقيقة بما يشعر. أراه بين فينة وفينة ويدور الحديث عن استغرابه الشديد مني، لا أعترف بالساعة الذكية ولا الواتساب، مرة تحادثنا بوجود زملاء، وقالوا أن هناك فندق الفيرمونت في أبوظبي ممتاز، قلت لريان هل هو جديد، قال نعم جديد جداً، فقلت لا لا يناسبني، أريد فندقاً قديماً، أحب الفنادق العريقة القديمة التي طورت مرات ومرات. ضحك كثيراً وخاف في نفس الوقت، لا يدرك أن بعض الناس تفضيلاتهم تختلف، لا يزال مستقراً على فكرة ما يميل له عامة الناس. على الجانب، جائني عبر زميل مشترك برغبة في العمل سوياً على فكرة مشروع لكتابات عبارات تسويقية للمنتجات، ولأني مؤخراً سرت منطلقاً تجاه الأفكار وتحررت من التحفظ والحذر وافقت، مؤخراً رأيت نفسي أوصل بين النقاط التي رسمتها طوال ثلاثة عقود. أعجبتني الفكرة وأعجبهم التفاعل. زودتهم بالنتيجة ولا زلت أنتظر الرد النهائي. باختصار ريان شاب نشيط ومتفاعل، ومرح. سرني أن أعرفه.

الجمعة

ياسر، جثة ضخمة، لهجة بعيدة عن النجدية، يعيش في الرياض، ويعمل في شركة بترول، ويتذكر كل مرة ذكريات دراسته في الظهران. حاورته مرة في زمن بعيد، وكان متعباً من عملية التنسيق. والتشتت الذي يهبهم إياه الدكتور التركي الذي يسأل الناس عن الناس، ذلك لأنه دكتور في الاقتصاد، لو كنت معهم لقد أن الإنسان هو كائن يسأل، غالباً. عودة ليسار، مرة ثانية لديه لثغة في راءه، وضيق تستشعره في صدره، ربما لأنه أطال المكوث في هذا البرنامج، ربما عمله متعب، لا أدري لكنه يكتسي بشعور من حزن شفيف. سماره ونعومة وجهه تشي باللطف. حاورته قريباً، ماذا سنفعل بعد الفراغ من كل هذا الانشغال، صدمني جوابه وأخافني، قال أنك يب أن تكون لديك خطة، وأردف لدي خططي، توقعت أشياء مهولة، بالذات عندما قال يجب أن تسأل نفسك ماذا تريد، قلت أنني أمام إنسان سبر أغوار روحه. فاجأني جوابه عندما أرارد أن يطور مهارات الإلقاء لديه، أدري أن لكل إنسان رغباته وتطلعاته، لكن بربك يا ياسر أنت في ثلاث سنوات قدمت عروضاً أكثر من أي مكان آخر في هذا المكان. يكفي، قال اتوست ماسترز، وقال أيضا أفكاراً عن الحركة وفقط. تخيلته سيجيئني بقوائم لا تحصر. أعلم أن حديثي عن ياسر لا يشبه حديثي عن الآخرين، في النهاية هذا حديث من ذاتي لذاتي، كل ما هنالكم أنكم جئتم في الطريق، ،سمعتموني أعيد هضم أفكاري تجاه أفكار وأناس. عودة ثالثة لياسر، ياسر يخشى أن يفارق بيت والديه، متزوج لكنه يخاف من ردة فعلهم، لا يريدونه بعيداً. لا أدري لم شاركني هذه المعلومة، لم أكن لأشاركها مع أحد. لكنني هنا في المدونة أكتب ما يحلو لي، أليست الورشة، نعم. ومع السلامة.

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. صِبى . كتب:

    ربما حتى الشخصيات تتشابه تماماً

    صلاح صاحب خفة الدم يشبه في شخصيته صديقتي
    لذلك قرأت م كُتب عنه مرتين .

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلا بك، سعدت بكرمك في التعليقات هنا وفي مواضيع شتى في مرونتي البسيطة، وسعدت أنني عبرت قليلاً عن شيء تعرفونه. أهلابكم وأهلا برياح مباركة ساقتكم إلى هنا.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s