عندما كان الصيف بلا ذبذبات

 

يقترب سبتمبر من نهايته، بدأ الليل يصبح ألطف جواً، والسماء الزرقاء التي أعرفها في شتاء الجزيرة العربية بعيداً عن الغبار والرياح المثيرة للأتربة والهجير. كل هذا يعني أن الصيف بدأ يلملم حقائبه ويرحل لستة أشهر أخرى ثم يعود بعد أن تقرصنا العجوز الشتائية ببردها اللذيذ. أكتب هذه التدوينة استجابة لفكرة تسجيل ذكرياتي القديمة، أجيب فيها عن سؤال عن صيفي أيام الطفولة كيف كنت أقضيه؟ قبل أن أتدرج في حديثي عن الذكريات بودي لو أبوح بشعوري تجاه الزمن، حيث أنني منذ عرفت نفسي وحتى فترة قريبة لست واعياً تماماً بتنقل الزمان وانصرام الشهور، تمضي الحياة ولا أدري متى يأتي الشتاء ومتى يذهب الصيف؟ عايش بالبركة ربما؟ كنت أعيش في عالمي الصغير الصغير، حتى واجهت الحياة الكبيرة ببحرها الزاخر وصرت أحتاج لأتتبع الحياة لحظة بلحظة وهذا والله شقاء الإنسان، الطفل، عمرة ٣ سنوات، كأنه الملك، لا يشغل همه إلا ما بين يديه في لحظته لك. وهذا والله العيش.

أما في الصيف القديم، عندما لم تكن هناك ذبذبات، أعني كنا نعيش على ذبذبات التلفاز على أقصى حد، الانترنت كان خيالاً أو فكرة في عقول علماء على بعد آلالاف الأميال عن الحقيقة التي نعيشها. أتذكر أنني أقضي صيفي في كمبيوتر صخر، برنامج الرسم، والجداول والتقويم، وإذا صرنا في حال مثالية، حصلنا على فرصة تبادل أشرطة الألعاب، أتذكر البطريق، وأتذكر جونز، والأميرة، أتذكر أننا نتبادل الأشرطة ونتابع كل لعبة بشغف، لست باللاعب الفذ، لكنني أتسلى بها، لا أظنني يوماً ختمت لعبة ما؟ بعدها انتقلت للسيقا وللعائلة بألعبها الكثيرة، كل هذا ما دمت في سيرة اللعب، لعبتي وكمبيوتراتي لا طعم لها الا بمشاركتها مع آخرين، كنا نقضي الليالي عند أقربائي، ويقضونها عندنا، نلعب بأدوار وترتيب على اللعبة. بالمقابل، لم يكن الكمبيوتر مسيطراً على اهتمامي، كنت ألعب الكرة، وأتذكر حماسي لها يبلغ أوجه فلربما لعبت صياُ والشمس حارة! أتذكر رحلاتي المتعددة للبقالة القريبة، خصوصاً بعدما كبرت قليلاً. كان يمضي صيفي أيضا بقضاء مشاوير أهلي، وزيارة بيت أخوالي كل نهاية أسبوع، قد أكون وحيداً هناك وقد أكون في ازدحام. ألعاب نارية تشغلنا، أحياناً نلعب الألعاب التقليدية مثل أن نختبيء وأحدهم يبحث عنا، أتذكر أننا نلعب لعبة عد النجوم. أو نعبث بشقاوة بمحتويات المخزن، بحثاً عن حلوى أو مشروب غازي ساخن! نجتمع على مائدة العشاء في الحوش الحميمي، ونتناول الخبز البر مع الجبن والطماطم والخيار.

كنت أيضاً أسافر، ليس لأماكن بعيدة، كنت أرافق أهلي إلى مكة، إلى المدينة وجدة. أحيانا للكويت والدمام. لا أنسى فندق النخيل بالمدينة وفندق جدة سوفتيل، وأيضا القصيبي بالخبر وتوليب إن بالدمام، كانوا يسمونه فندق الشيحة. أتذكر فندق أجياد مكة الرهيب. والمحلات بجواره. في السفر تعلمت السباحة. في مسابح الفنادق، تعلمتها بالمغامرة بدون تحضير، لذلك لست سباحاً محترفاً لكنني لا أغرق. أتذكر في فترات، حصلت على كاميرا تصوير فيديو وكنت أسجل أشرطة لا تنتهي من العبث والتقليد والتمثيل مع أقربائي، مضحك جداً لو أشاهد الأشرطة التي لا تزال معي. في أيزام كنت آطبخ وأشوي، نمارسها بشكل جماعي لنقتل الوقت ونحصل على وجبة لذيذة. كان الوقت ينقضي بالسوالف، بالحديث، حول السيارات، حول الأغاني، حول النساء أحياناً. حول الأفلام، والمسرحيات أيضاً.

كنت أمشي مطولاً ذلك لأنني لا أقود سيارة، ننطلق بكل اتجاه بحذر ونبحث عن مكان جديد أو محل جديد، كنت أحب الأمر عندما أزور مكتبة قديمة مثلاً، أتذكر أنني لا زلت محتفظاً بقاموس من أحد زياراتي لهذه المكتبة. ماذا بعد؟ أعود للكمبيوتر، كيف شاهدت لأول مرة حاسوب أوميجا، وعليه لعبة كرة قادم باسم لاعب انجليزي أظن اسمه قاري لينيكر، كنا نضحك وقت تحميل اللعبة من صورته التي تظهر على الشاشة بعيونه البارزة ونقول أن يراقب الذي يراقبه، فعلا كنا نتحرك ونحس بأعينه تلاحقنا! أمر مضحك حقاً.

أمر آخر لا أنساه وهو التلفزيون، الكرتون والمسلسلات القديمة، كنا نتابعها بشغف، مسلسل مثل فارس الملاكم الصغير كان يذكرني بصباحات نهاية الأسبوع حيث أستيقظ خصيصاً من أجله. أتذكر أمراً آخر وهو مجلات العربي وباسم وماجد، شكلت طرفاً من ذكرياتي تلك الأيام. أتذكر مرة أنني شاركت بمسابقة وفزت بجائزة أسرلها -ياللفرحة العارمة- بالبريد! لذلك ربما لا زلت أحب مفاجآت البريد! سيارة صغيرة بحجم كفي الصغيرة. أتذكر مسلسل رامي الصغير، الصياد، الذي يذكرني بوقت العصر. أتذكر توم وجيري، كنت أرى نفسي مثل توم. لا أدري لم؟ كنا في بيت أخوالي نراقب الدجاج في قنهم خلف المنزل كنا نلعب بالمراجيح هناك في السطح ونبادل الضحك مع بعضنا كأنه لا يوجد هناك غدٌ.

من بين الذكريات كذلك، كنت أقضي الوقت في صالة بلياردو، وكنت أعتبر الانترنت أمراً ثانوياً. لم يكن صار أداة فعالة بعد. مجرد شيء ثانوي خامل، أنا سعيد جداً أنني كنت من الناس الذي عاشوا أياماً بلا انترنت، وتعايشوا في ظل وجوده. أشعر أنني ذو إدراك أكبر وأوسع.

سأكتب الكثير ربما لو أطلقت لنفسي العنان أكثر، وبشكل عشوائي، فأنا أكتب لنفسي بالمقام الأول في هذا المحترف، في هذه الورشة التي نمت بداخلها ونمت بداخلي، لعل أحدهما يعبر فيضحك ويعتبر ويدعو، وفي كل الحالات شكراً وبالتوفيق للجميع.

ملاحظة: خططت لكتابة هذه التدوينة بوحي من هذه التغريدة أدناه

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. صِبى . كتب:

    كانت عطلة الصيف رائعه حقاً في ذاك الزمان

    م ان تُصبح حتى نجتمع على طاولة واحدة للإفطار بكبار العائله اولاً جدتي رحمها الله وابي وامي رحمها الله واخوتي جميعهم
    ،
    حينها الحديث والحوار له طعم آخر مختلف تماماً عن م يحدث الان حتى وان كنا نتحدث او نتحاور فلا بد من اخبار سيئه ومزعجه تأتي الينا من هواتفنا .

    عنزة جدتي واللعب معها وذاك الخميس الذي نجتمع فيه ل اكل الايس كريم ، وتلك القصائد والمحاورات الشعريه بين افراد العائله حقيقه افتقدها .

    ياه ي علي ذهبت عطلة الصيف القديمة وذهبوا الأحبة معها 💔

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلابك، التفاصيل التفاصيل والحميمية في تعليقك أعطى أبعاداً أخرى للموضوع، أما عدم تطرقك لأي جانب ترفيهي تقني فهو أمر مثير للشجن، لاسيما ذكرك للشعر وللأحاديث والعزلة الجميلة والاندماج مع الكائنات الحية، شكراً للإضافة.

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s