كنت في النادي الأدبي بالرياض

شارع جرير - الملز - الرياض

وبينما القمر في السماء الصافية يكمل استدارته أثناء رحلته في دورته الشهرية، كان قد اقترب من أن يكون بدراً، ليلة مضيئة منيرة كانت. خططت طويلاً للوصول إلى هنا. استدارت السيارة على الأرض وبدون إرادة تامة مني، كنت أقع بدون تخطيط ضحية ازدحامات لا أحبذها، ومن يحبذها أصلا؟ كل ذلك في وسط شرق الرياض، حي الملز، كانوا يجرون أعمال حفر وإنشاءات عظيمة هذه الأيام هناك، وتغيرت معالم الشوارع إلى حد كبير وصرت لا أرى إلا الخرسانات المخططة بالأبيض والأحمر في كل مكان، كانت الحفريات تعيد تغيير العاصمة التي تعمل على إنشاء مشروع للمترو، الملفت أنني أغيب وقتاً قصيراَ ثم أندهش بالتغييرات.

كنت قد سلكت الطريق الدائري الشرقي جنوباً باتجاه المخرج الخامس عشر. وانطلقت بسيارتي على طريق الخدمة حتى تجاوزت مدخل شارع النهضة علي يميني وانضميت حينها إلى السيارات المتجهة إلى الغرب متعمقةً في حي الملز العريق العتيد. لم يكن الزحام بلغ مبلغه تلك اللحظات، خصوصاً ونحن في رمضان حين تتحول الشوارع والسيارات إلى عالم محموم من العجلة والسرعة والضجيج الذي لا يطاق، ذلك لأن صلاة المغرب انقضت منذ حوالي الساعة إلا ربعاً، وكثير من الناس يقبع في منزله بانتظار صلاة العشاء والتراويح، وهذا هو وقت مثالي حتى أصل لوجهتي دون منغصات.

وصلت إلى إشارة شركة العويضة (تقاطع شارع الستين مع شارع زيد بن الخطاب رضي الله عنه) بالقرب من ملعب الملز، فاجأني أن الشارع تحول إلى طريق إجباري يميناً، فاستسلمت له، ثم التففت حول الممشى الجديد وحول الحديقة الجديدة، العديد من الناس يمشون، هذا ما لفت انتباهي، والعديد من البضائع على الرصيف، باعة متجولون، ودار في ذهني وأمام عيني كيف أن المكان سيكون مكتظاً جداً عقب التراويح. كنت أخطط بسرعة لتحديد مساري نحو هدفي.

هذه الأيام من كل عام ولتسع مواسم مضت يقيم النادي الأدبي بالرياض معرضه الخيري التاسع. أثيرية المناسبة والمكان تحفزني كل سنة لزيارته، لكنني لم أتمكن! هذه السنة جزمت على الحضور. وقاومت كل رغباتي بالإكتفاء بالكتب الذي حصلت عليها من كل مكان هذه السنة بدءاً من معرض الكتاب وزيارتي للكويت والبحرين، لكن الفرصة أكبر من أن أقاومها. قررت أن أقف بالقرب من جامعة الملك سعود، قريباً من الجسر الرابط بين المكتبة وبين المباني القديمة، مثير جداً تأمل هذه المباني التي فيها نكهة النهضة الأولى للرياض، ويروق لي دوماً تخيل أسراب البشر بمعاطفهم القديمة وغترهم القصيرة وشواربهم الطويلة وشعورهم المسترسلة وهم يتجهون لكلياتهم هنا يوماً ما.

حي الملز حي راق جداً في تلك العصور. مدرج المحاضرات يبدو واضحاً من الخارج، نوافذ وأبواب تقاوم الزمان بشموخ ملفت. أوقفت سيارتي في أقصى ركن، وقصدت المسجد الأقرب، مسجد يعود إلى عشرين أو ثلاثين سنة في ظني، خلف بئر الملز وخلف المبنى القديم للصيانة التابعة لجامعة الملك سعود، جامعة الرياض كما سموها قديماً. المكان والزمن اختلط علي، وخيل لي سماع صوت الإمام يقرأ بصوت نجدي صاف، وترجيع ندي قديم خال من أي تكلف، تلاوة قديمة جداً، فأثار الأمر حبوري. أسير في منتصف شارع الستين الآن، لا سيارات لا مشاة، لأنهم أغلقوه بتحويلة. خلا المسار إلا من سيارات مرور تمنع أحداً من أن يدخل إلى هنا. سابقت خطواتي إلى المسجد، مسجد شارع الجامعة. عبرت بمبنى عرفت أنه نادي الفروسية ويبدو عريقاً جداً من الخارج.

كانت صلاة خفيفة والمسجد يعج بالعمال النشيطين، حيث كانت من حول المكان أعمال إصلاح للرصيف وللشارع. عدت أدراجي بعد الصلاة للسيارة فشربت ماءً وأخذت سماعات الرأس، وبدأت أذرع الطريق، يلفت انتباهي كل تلك المعالم على الرصيف، هنا موقف باصات قديم مهجور، وهنا كذلك حديقة قديمة تحت التجديد، وقررت أن أتعمق أكثر، فمررت بمحل للألبسة الرياضية وطرأ على بالي جوارب جديدة وكانت اللوحة تشير إلى تخفيضات، فحصلت على الجوارب ودسستها في جيبي أمام ضحكات البائع، حيث امتنعت عن أخذ كيس، ثم انطلقت مكملاً السير بجانب فتيحي المعروف بأدواره الأربع من ذلك الزمان القديم، أتذكر دهشتي عندما تجولت فيه كله يوماً ما.

ثم وصت إلى المبنى نصف الدائري الذي هو كائن عند رأس الشارع بالقرب من شارع جرير، عند هذه النقطة كانت الساعة تقترب من العاشرة وربع، هنا اتجهت عائداً إلى النادي الأدبي باتجاه الشرق، وممتلئاً بالحماسة، وصلت النادي سالكا شوارع فرعية وسككاً خلفية بين شارع جرير والستين، عبرت في طريقي بسوبرماركت عتيق لكنه مجدد، وتذكرت هنا مطعم الشرقي، حيث كان أبي يصعد بنا إلى الدور الأعلى حيث صالة طعام تشعرني وكأنني خارج الزمن، كأنني في القاهرة، وأتذكر مدير المحل بجلسته الفخمة ومكتبه الملفت، وخزنة المال من وراده والستارة المخملية الحمراء، كنا نشتري ألذ كباب في الدنيا، أتذكر الشيخ، بطاقيته البيضاء وملابسه الزيتيه، ومسبحته العتيقة، يستلم الطلبات من الزبائن، وننتظر في الأسفل نقضي الوقت في مراقبة السيارات، المبنى بأكمله هدم منذ سنوات، وصار بجانبه مطعم بسيط ويحمل نفس الاسم، المطعم الشرقي للمشويات، ياللأسف!

لم أزر النادي من قبل، وطاف ببالي كل الأدباء الذين مروا من هنا، ابن خميس وابن ادريس، والغذامي، وأبوتراب الظاهري، حمد القاضي، القصيبي، والقائمة تطول وتطول، كلهم مروا من هنا يوماً ما، شدني قدم المكان لكن عراقته باقية، والتجديدات الكثيرة التي تمت على المكان كانت ملفته، باب النادي مشرّع على آخره، وخشيت أنهم سيفكون الباب، مثل عادة أهل حائل عندما يرفعون الباب مبالغة في الترحيب والضيافة ولا يكتفون بتشريعة فحسب. دلفت المكان فكان في وسط الفناء بئر بنيت بشكل جمالي على شكل نوفرة، اقتربت من الباب الداخلي الزجاجي وتراءت لي طاولات الكتب والرفوف والأركان.

بضع زوار يقلبون الكتب، مر الوقت بسرعة وقضيت ساعتين دون أدنى احساس بمرور الوقت. صحيح أتعبني ظهري من الوقوف والمشي وتذكرت أيام معرض الكتاب، الملفت في المعرض كان توفر اصدارات الكتاب السعوديين والنادي، وكذلك توفر اصدارات قديمة جداً وطبعات متقدمة. هذا الأمر وحده جدير بإثارتي لأقصى حد. طبعات مكتبة تهامة. وكذلك كتب كانت تنتمي لأشخاص آخرين ولا أدري كيف وصلت إلى هذا المكان، رأيت حتى بعض الكتب عليها إهداءات الكتاب إلى القراء، كتب لأناس، وشعرت بالضيف والتساؤل حول مصير هؤلاء الكتاب وكتبهم.

حان الوقت، اتجهت لمكتب عليه شاب يقدر أسعار الكتب، بين خمسة وعشرة وعشرين، كان مجموع حسابي ستون ريالاً. عدت أدراجي وأنا أملأ عيني من المكان، لست أدري متى أعود إليه؟ مشيت على شارع الستين وطوال الوقت يتراءى لي حلم أن أعود لطفولتي، للثمانينات، أو قبلها، أن أشاهد الشارع مزدحماً بالكاديلاك الفارعة الطول، والبيوك بارأفنيو التي تشعر بالحميمية عندما تركبها، بالكابريس، سيارات قديمة، مثل أحلامي، ذهبت ولن تعود. بسرعة اجتزت الشوارع وعدت لسيارتي.

طاف ببالي أنني سأتناول سحوراً مبكراً، وطاف ببالي أن أتسامح مع نفسي بشأن تخفيف الأكل في هذه الليالي المباركة. فتوقفت قريباً من فرع لمطعم النافورة بشارع الستين، وهو مثالي لأنه بطريق العودة. وأظن أنه أول فرع، وتخيلت مجدداً كيف كان مكتظاً ذات يوم، تناولت سندويشات، وعصير رمان، وعدت معي كتب وصوري، وشجني السعيد، وفكرة تختمر حول تدوينة أوثق فيها تلك الليلة، ليلة كان القمر فيها بدراً.

اصطدت عدة كتب، مجموعة كتب لمحمد عبدالرزاق القشعمي، وهذا الكاتب ولوع بالبدايات، فاقتنيت من مؤلفاته كتاباً عن بادايت الكتاب مع الكتابة، وكتاباً عن بدايات الطيران المملكة، ورواية له عنوانها بدايات، وحصلت كذلك على كتاب ثمين لغازي القصيبي بحثت عنه دهورً وهو في رأيي المتواضع، وأيضاً سيرة ذاتية للأديب ابن إدريس، مجموعة قصص قصيرة جداً لمحمة منصور الشقحاء، وقصتان من قصص الأنبياء مكتوبتان بأسلوب أدبي ملفت جداً، واحدة للمؤلف الشاب القباني، والثانية للكاتب والأديب السعودي عبدالله العريني.

أعلم أنني اقتنيت العديد من الكتب، لكنني تجاوزت لوم نفسي بفعل ذلك، ذلك لأنني راض عن سرعة استهلاكي للمخزون. نفع الله بها وحياكم الله يا متابعين، وتقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام.

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. يزيد كتب:

    موضوع جميل جدا حملني الى حي عشت به ايام جميله حين كنا نذهب لزيارة بيت جدي هناك و هو اقرب مما تتخيل من النادي الادبي و على الشارع الاساسي و تم بيعه لاحقا ثم ايجاره ثم اصبح بيت للعمال ثم هدم و بنيت مكانه عمارة جديده !
    في الشارع الخلفي لذلك المنزل توجد اشارة تحذيريه ” الاطفال يقطعون الشارع ” في مثلث و اذكر الجيران و هو البيت الذي عاشت به امي صباها و الجامعه التي كان ابي يدرس بها الطب و يذهب لزيارة والدتي في وقت الاستراحة ايام خطبتهم .
    كان الزمن اكثر تفتحا و الدين اكثر وضوحا و رجل الدين تعنيه الثوابت و يتعامل مع الناس بحسن ظن و النادي الادبي كثيرا مافكرت دخوله وصورته فجرا و اليوم غرت منك كثيرا و سعدت بك و بارادتك فهذه الزحمة كانت كفيلة بان تعيدني منزلي و لا سيما في هذا الشهر !
    وفقك الله ياعلي و متعك بالصحة والعافيه و ادام عليك بهاء الاحساس بالاشياء التي قد يعبرها الاخرون دون توقف فهذه وحدها نعمة تستحق الشكر و الامتنان .

    إعجاب

    1. علي كتب:

      كنت منذ زمن بعيد أرغب في توثيق تدوينة عن حي المز، ذاك الذي بدأت به نهضة الرياض كعاصمة حديثة، والمثير بالنسبة لنا نحن، كل الشجن والذكريات والمشاوير القديمة التي تطفح بها أحاسيسنا عند تذكر تلك الأماكن، شكراً لتفاعلك الكريم يزيد وصدقني، كثيراً ما أسعد بمتابعتك وتواصلك، بارك الله لك وفيك.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s