ساعتان في أمريكا – قصة قصيرة

في فبراير، من كل عام، تلتحف الرياض وأهلها بكل ما يمكن أن يقيهم من البرد، مع ذلك، غالباً ما يكون الجو صافياً ،السماء نقية تماماً خصوصاً بعد يوم أو يومين أصابت السماء فيها الأرض بالمطر. وفي تلك الليلة كنت وهو مدعوين لحفل عشاء عائلي لمناسبة عائلية، التقيته صدفة ونحن متجهون نحو العشاء، كان الحديث في الحديقة يدور بيني وينه عن الأحوال والأخبار، ثم انتقل بسلاسة عن العمل، سألته كيف العمل؟ وأذكر أنه قال لي سابقاً بآنه يمضيه هذه الأيام في أحد المصارف، لكن جوابه فاجأني وتلقاني ممزوجاً بحماسه وانطلاقه غير المتوقع، تركت العمل في المصرف إلى غير رجعه، طيب أين تذهب؟ توقف قليلاً وأجابني بثقة، أمريكا!

في الطائرة أترقب لحظة الهبوط، طالت رحلتي، من الرياض إلى هيثرو ثم عبر الأطلنطي، إلى نيويورك، مطار جي إف كيندي، ثم عابراً الولايات المتحدة نحو أقصى جنوب الغرب، لوس أنجلوس، ما عرفت قبلها أرضاً بعيدة، رحلتي إلى مانيلاً أو بالي كان أقصى وقت قضيته بعيداً عن مدينتي التي أعرفها وبيتنا الذي أعود إليه كل ليلة، والآن أنا على مشارف هوة سحيقة سأمشي فوقها على خيط رفيع من الخجل الشديد، وقلة الخبرة ومأساة شح اللغة والكلمات، في أرض متحررة محررة لا حد لثقافاتها، لكنني أقول، سأعبر ما عبره الآخرون فلست إلا بشراً مثلهم، أو هكذا كنت أظن !

مضى يوم إلا قليلا مذ أن أغلقت باب بيتنا ورائي بالرياض، اليوم هو الثلاثاء، صحيح، لا لا أصبحنا في يوم الأربعاء. تجاوزت كل بوابات التفتيش والجوازات والجمارك، صفعني الضجيج والفوضى التي أظنها، ليست فوضى لكنها عشوائية منتظمة، ذاك يركض نحو رحلته، الآخر متجه لبيته، كثيرون مثلي، حطت رحالهم في أرض الأحلام بحثاً عن علم ضيعته قديماً كنت لا أعي تماماً ماذا سأفعل به أو بدونه حتى جربته طعم الحياة الحقيقي وعشت وظيفة البنك المتعبة. حسناً، دعني أستعرض الحقائق، مكتب الدراسة أخبرني بعنوان المعهد والسكن، سيارة الأجرة من هنا، ربما، أسمع كلامهم وكأني في فيلم سنمائي، أبحث عن الترجمة أسفل الشاشة، يرتد إلي طرفي حائراً وهو حسير. لابد مما ليس منه بد، استجمعت قواي، واتبعت الصور في لوحات الارشادات، ورأيت أحدها تشير إلى سيارة وعليها لوحة، وبجانبها كلمة TAXI.

الأمر سهل فيما يبدو، دلني رجل لآخر، وهم يرون فيني الشاب الغرير، من الواضح أثر بركة دعاء والديّ في مقامي هذا، فهذا السائق مستعد لمساعدتي، لكن ليس بالمجان، لا بأس، مترجم قوقل والخريطة والعنوان ساعدني وتساعد معي، لكنه لم ينس حقه، نقدته ما طلب مني، ما يخدم بخيل كما يقولون، كان الوقت صباح الأربعاء، بين يدي مهمات محددة يجب أن أتمها، فتح حساب البنك، التسجيل في السفارة وفي المعهد، والانتقال إلى سكني، العجيب أن الأمور جرت بسلاسة مطلقة، ساعة وساعات وقد فرغت من كل ذلك! كان العائق أنهم ما وفوّا بعهدهم، السكن ليس في المعهد إنما في نزل قريب، ٣ كيلومترات، تقبلت الأمر على مضض وانتقلت هناك في ذلك الضحى

الغرف مستقلة وتفتح على صالة صغيرة، ومطبخ وحمام مشترك. حسناً شيئ لم أعهده من قبل. مرة أخرى ضربني بشدة الشعور بالحنين لغرفتي الصغيرة القديمة في بيتنا القديم، لكنني تحاملت على صغر سني وغرارتي، وركنت لواقعي آملاً أن أتحسن مع الوقت، حل العصر، ورأيت أول زملاء السكن، شاب أسمر طويل ذو جثة مهيبة! لا أتذكر اسمه، لا أدري ماذا قال لي أصلاً، خرج إلي شرفة السكن، وتناول سيجارة ثم عاد للداخل وبدأ يعبث بورق لف وحشوة بنية مخضرة، يا إلهي! هل هذا حشيش!!! أنا الآن في فيلم، حقيقة، أو أنني أحلم، صدمني المشهد، ما زاد الطين بلة أن الأسمر ذاك، تناول السيجارة ثم انجعف على جانبه، خيل إليّ أنه يموت! هربت، هربت بسرعة من روحي ومن المكان إلى أمن مكان قريب أحسست به، غرفتي الصغيرة، أو جحري الجديد، تقلبت في مكاني، ثم استسلمت للنوم. مضى اليوم الأول، بقي خمسة أيام حتى يبدأ الأسبوع الجديد، ويبدأ دوام المعهد واللغة الانجليزية. سأتشبث بقوة حتى أتأقلم أكثر. هذا ما حدثتني نفسي به.

مضى اليوم التالي بسلاسة، ذهبت إلى صب واي القريب من السكن وتناولت وجبة خفيفة، ثم عدت. تأملت حالي بعدها، مضت ثلاثة أيام ما كان مجموع ما قضيته خارج غرفتي يساوي ساعتين فقط!!! في أمريكا، ساعتين فقط !!! بلعت خوفي واشمئزازي وصدمتي مع ريقي وكدت أن أغص. ثم حدث ما لم يكن في حسباني أبداً أبداً. كنت نائماً، لكن أيقظني صوت الموسيقى الصاخب، ولفحتني من بعيد رائحة كريهة لشيئ يحترق. كان الص،ت مكت،ماً، وظننت أنه يأتي من المبنى المجاور، ثم انتبهت إلى باب غرفتي المغلق وإلى الليل البهيم من النافذة، وإلى شعوري العميق بالنعاس. قمت من سريري متبعاً الصوت باتجاه باب الغرفة الذي يودي إلى الصالة المشتركة، يا إلهي! الصوت من الصالة، كأنها حفلة، لكنني تراجعت عن التفكير في ذلك، وقفز إلى ظني صوت التلفاز أو الألعاب الالكترونية التي غالباً ما يعبث بها الشباب.

فتحت الباب، وكان المشهد أكبر من احتمالي، أو تقبل قدراتي الذهنية، كانت حفلة ماجنة، كأمجن ما رأيت في حياتي، فتيات قميئات، وزملاء السكن الأجانب يعيثون فساداً في الصالة، طاولة كبيرة ممتلئة بكل أنواع المشروبات والقوارير الغريبة الشكل، كان هناك بودرة ما على الطاولة، يا إلهي، وفتيات يراقصن شبه عاريات فتياناً عراة! تباً لكم، بل تباً لي! توجهت هناك نحو ذلك الأسمر التقطت هاتفي، كلمت ابن عمي في الولاية المجاورة حاولت منه أن يفهم منه أو أن يوصيه بأن يهتم بي، كان الضياع ولا شيئ سواه. لا أحد يعرف ما يقول ولا أحد يدري ما أقول أنا !!! على الأقل يجب أن أخرج خارج هذا المكان قبل أن يحل غضب الله علينا!

قفزت علي درجات السلم، الارتباك زاد من سرعتي، ورجفتي كانت لا تساعدني، وعرقي يكاد يغرقني، يا إلهي، بقيت خطوات وأخرج من هنا، سأذهب إلى المعهد سأخبرهم أنهم مهملون، كيف أعيش مع هؤلاء البشر، ما جئت إلا لطلب الخير وإذا بي أرى نوافذ الشرور كلها وأبوابه تفتح في وجهي، ما رأيت هذا أبداً أو مثله في حياتي، كنت تلك اللحظة لحظة انشداه عظيمة ما اختبرتها، كنت كمن يقف بوجه تلفزيون ضخم يعرض لقطة من أرعب وأبشع المشاهد التي تعرضها سينما هوليود عن التحرر والانطلاق بزعمهم. ما أوقف تفكيري فجأة وفي هذه اللحظة، كان شيئاً أقسى وأقسى شيئ استنفر كل قواي العقلية!!! كدت أجن، قبل خطوتين من باب الخروج وفي عتمة ذلك الدرج، كانت شخص ما مستلق على ظهره، حرفياً كان يغلق عتبة الخروج بجسده، ظننته مجنوناً أو مخموراً، لكن ما هذا الذي على صدره، ما هذا الذي يلمع على البلاط حوله؟ ياللهول! إنها دماء إنها جثة، جريمة قتل، هنا في البيت الذي أسكنه !!!! لقد قضي علي، لابد من أن أذهب إلى المطار الآن، تذكرت وجه أبي وأمي وإخوتي، لا أدري كيف وصلت إلى مكتب الطيران وكيف حجزت أقرب رحلة للعودة، وكيف كنت أحادث أخي عبر الواتساب، قلت له أنا عائد غداً، عائد الثلاثاء، رد علي متهكما ماذا أيها المخبول لم تكمل أسبوعاً، هل الأمر كما تشتهي، ما وجدت في نفسي طاقة للتبرير، سأقول لك قريباً، أرجوك جهز أبي وأمي لعودتي.

في الطائرة، ياللتناقض، كنت مسروراً، فررت من الجحيم، هذه أمريكا! أمريكاً التي عرفتها غشيماً ولم أطف في شوارعها سوى ساعتين، ساعتان في أمريكا، كانت كافية لأعرف أنها تساوي عمري الذي قضيته بين باب بيتنا وعملي السخيف في البنك وجلساتي مع أصدقائي الأكثر سخفاً في تلك الاستراحة الوضيعة حتى ساعات الفجر الأولى طوال العقدين الماضيين الوحيدين من عمري، ،كل هذا يكفيني ويزيد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s