هيمنجواي يتحدث … 

on

في دفتر ملقى بالقرب من السلالم المهجورة عند مهبط الطائرات القديمة في القرية البعيد عن المدينة وجدت هذا الدفتر المتهالك الورقات، الخط حسن لكن الزمن شوهه بالتعرية والمطر وبقايا التراب وبقية عوامل الزمن التي قد لا تبقي ولا تذر. قررت أن أنقلها إلى هنا لأني وجدت فيها سرا ما لا يدل على أشياء محددة لكنها مثيرة ومن واقع الحياة.

١

رن هاتف المكتب عند تمام الساعة الثالثة والنصف، رن كما يرن كل أربعاء معلناً ورود الاتصال الهاتفي الاسبوعي الذي يعقده الاستشاري مع مدير المشروع، مدير المشروع ينتظر على مكتبه في مكان ما من مدينة الرياض ويتابع تقدم العمل ليرفع التقارير والمعوقات التي لا يتمكن من حلها إلى رئيسه، يجيء صوت “جوان” مديرة المشروع من قبل الاستشاري، جاء رخيما هادئاً وثابتاً، اللهجة أمريكية صرفة، وفرق الساعات هذا والذي يعني أنها السابعة والنصف في نيويورك أعطى صوتها صدىَ إضافياً، ومن يدري قالها مدير المشروع في نفسه لعلها تحادثني وهي تحت أغطية السرير، لاسيما  ونحن في يناير “حيث تضرب العواصف ذلك الشمال الأمريكي بكل عنفوان، رفع السماعة فتوقف أثر خيالاته تلك وأجاب الهاتف قائلا: “هلوو” بكل ما فيه من ترقب، وجاء الطرف الثاني: هاي، هاو إز رياد؟ … رياد إز جود جود، وتتابع جوان مستهلة المكاملة وممهدة لها، فتقول أن الجو في نيويورك شيء وكئيب، المطر والثلج يحاصران كل مكان. وهمهم صاحبنا متخيلاً ما تقول. ثم استرسل في حديثه متجاوباً مع الوضع الرسمي للمحادثة وآملا في أن ينهي المكالمة بسلام وبأسرع وقت حتى يتسنى له الانطلاق في يومه بعيداً عن مكتبه وعمله وكرسيه.

قناعاته تقول أن الوظيفة أو العمل هي جزء من حيانته وليس العكس، ويتجادل كثيراً حول هذا المفهوم ويمتزج شعوره بالعطف والشقفة مع الامتعاض من الذي يصحو وينام وهو مرتبط بعمل قد لا يغني عنه شيئاً بعد تقاعده.
٢
،قاوم الحاجة للاستيقاظ من السرير الدافئ طمعا في المزيد من هذه الاحلام المشوشة التي انتابته عندما نام على غير العادة فتح عينية بعد نومة ليل طويلة وشعر أنه تتنازعة رغبة في الكتابة بشكل جارف لكنه -مثل كل مرة- يصاب بخيبة امل عندما يحاول اختيار الالفاظ وصنع الحبكة المناسبة، احلام مثيرة جاءت بسبب أنه قرأ مؤخرا رواية فنتازية وكتاب سيرة ذاتية طويل جدا فصار يتأرجح شعوره بين عبثية القيام بشيء ما هذا الصباح وبين ارتكاب فعل عنيف مثل كسر عنق الروتين. كان مستلقيا على السرير حيث تخترق جسده أشعة الشمس القادمة من الشباك الذي يعلوه ويلطخ جدران الغرفة وأرضيتها بخطوط مستقيمة ومتوازية من الضوء الأبيض المصفر، صرّ عينه اليسرى عندما افاق فجاة وازعجته الشمس، بطل هذا القصة، ولنقل أنه ليس بطلا تماماً، هو شخص يظن أنه متماسك وقدراته لا حد لها وفي واقع الحال إن هذه هي المكانة التي وضعه الناس من حوله بها، لذلك وفي مناسبات معينة يشعر بالخور والضعف وحتى بالاشمئزاز من ذاته، كيف يجدر به الاستمرار هكذا؟ لابد من مخرج؟! لابد أن أخرج من هنا، من هذه البوتقة المقلقة. تذكر هنا صوت هيمنجواي وهو يتحدث، سمعه أمس عبر اليوتيوب يتحدث بكل عنفوان ويملأ صوته المسرحي أذنه التي أرهفت السمع، كتابات هيمنجواي تثير إحساسه خصوصاً قصة الأسد الطيب، وقصصه عن البطولة المزيفة. تناهى إلى عقله رغبته بكوب قهوة سوداء، كوب أسود لكنه يضيء يومه، صحيح أنه اكتشف أن ضيقه وتوتره مرده إلى تلك الأكواب المتتالية م هذا السائل الذي يشبه البترول الخام لولا قلة لزوجته، وتخيل في ذهنه أنه يمتطي حماراً وحشياً ويردف ابنه خلفه مطارداً كل قرد أحمق وساحقاً كل طحلب قميئ يطل برأسه القبيح، ويضحك كالمهبول كل يوم.
٣
في مثل هذه الليلة الرائقة لا يحلو الجو الا بالجلوس مع كأس اي رائق ومسليلات وكتاب جميل، بدلا عن ذلك لا زلت اقبع في غرفة الاجتماعات التعيسة وأرسم بقلمي خطوطاً متعرجة مثلما أحس في داخلي من العقد. هذه الغرفة المليئة بالتملق والسماجة والاستعراض السخيف، تبا لكل تلك التقاليد، يخيل لهم أنهم سيحلون تعقيدات العالم، وأنهم بدون اجتماعهم سينهار العالم بسبب، طرد تهيئاته الحمقاء التي تحوم فوق رأسه مثل أسراب الذباب الأزرق، ورشف من كوبه المليء بشراب الزنجبيل والليمون، وتخيل نفسه يدوس على كل تلك التقاليد البالية التي تجربنا على الحضور إلى العمل في غير وقت العمل، وتخيل كل مشاعر والأشخاص الذين لا يحبهم عبارة عن أشياء صغيرة جمعها في كيس النفايات الصغيرة وسيرميها الآن في مكب النفايات الأقرب، وهنا ارتاح.
Advertisements

3 Comments اضافة لك

  1. hessa k كتب:

    Sent from Windows Mail

    إعجاب

  2. اننيموس كتب:

    مفارقات العمل الممله احياناً ، تقودنا لامتطاء صهوه خيالنا هاربين لمناطق راحتنا المنشود ، جذبتني القصه القصيره خاصه عندما يتحدث الانسان لنفسه ويقيم نظره البشر اليه وتقييم هو لنفسه الذي قد يكون قاسي احياناً!!

    إعجاب

    1. علي كتب:

      لعل المفارقة العظيمة وشر البلية ما يضحك أنني أكتب هذا التعليق تحديداً من غرفة اجتماعات ! لكننا يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن الحياة فيها الأسود والأبيض والرمادي، الرمادي مهم، لأنه هو الحقيقة، يجب أن نتقبل هذه الأشياء التي لا نرضاها ونحاول التعامل معها بأي وسيلة، بكتابة تدوينة مثل هذه، ومما يساعد استقبال تعليقات من نور تشبه تعليقكم الكريم، القسوة على الذات فيها نوع من التصبر من التواضع والانطراح لقوة أعظم، ضعف الانسان هو ابرز سماته، والاعتراف بذلك ياللمفارقة يقوينا ويجعلنا في موقف افضل فما بعد الهبوط الا التعليق والارتفاع وهكذا، سأعود للاجتماع، متسلحاً بكل ما أوتيت من رباطة جأش، والله المعين سبحانه وعلى وجهي الابتسامة :)

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s