ذكرياتي عن الزبير

في هذه التدوينة لست بصدد أن أقدم للقارئ العابر رصداً تاريخياً أو تسجيلاً توثيقياً علمياً عن الزبير وعلاقتها بأهلها الذين سكنوها أو عاشوا فيها أو ربما لم يعيشوا فيها مثلي ومثل أبناء جيلي، قصدي هو تسجيل انطباعاتي الشخصية البحتة التي قد تتوافق وقد لا تتوافق مع لدّاتي ومن هم في سني ومرحلتي العمرية، ذلك لأنني تأملت وخطر في ظني يوماً هذا السؤال: ماذا تعني الزبير لي؟ ماهي ذكرياتي وانطباعاتي عنها؟ وماذا تعني كتراث وكثقافة وكذكريات لي ولأمثالي من الشباب؟ بالطبع، نحن الذين ما عشنا في الزبير ولم نره، لم نره إلا في أحاديث آباءنا وأمهاتنا، أو رأينها في الصور والكتب القديمة المتداولة عن هذه المدينة العظيمة الشهيرة والأثيرة في قلوب المنتمين إليها.

كانت الزبير ولا تزال تشكل عنصراً مهما في ثقافة أهلها الذين عاشوا بها، سواءاً الكبار في السن أو من هم أصغر ومن هم في سني، تلك المدينة التي عاش فيها أهلها النازحون إليها من نجد، هي مدينة بين الكويت والعراق، وتوسدت مكانة مهمة في فترة سبقت، حتى نهاية القرن العشرين، ثم بدأ أهل نجد بالنزوح عنها والعودة إلى نجد، مسقط رأسهم ورؤس أجدادهم. لا أنسى لهجتنا المختلفة والتي هي بين لهجة أهل الكويت ولهجة أهل العراق، كيف ان لنا مصطلحاتنا الخاصة التي تبعث السرور عندما نسمعها بالقرب. أتذكر أحاديث أبي وأمي عن سكيكهم ووصفهم لها، وحفظهم للدروب والميببات وعن المطر في الزبير وكذلك شجرة النبق أو السدرة، وأيضا أحاديثهم عن الشوارع الشهيرة مثل شارع البنات أو شارع الباطن، مكتبة الزبير أيضا لها جانب في الحديث، يذكر لي أبي كيف كان هو والكثير من أصدقاءه يعيشون في هذه المكتبة طوال الصيف فيعودونها باستمرار، وحديثهم عن مساجد قريبه من بيتهم مثل مسجد النجادة، أو عن شخصيات شهيرة مثل الشيخ ابن سند. وكذلك الأحياء الكثيرة من الزهيرية، والرشيدية، والعراس، والميصة.

صحيح أنني لم أعش هناك، ولا زرت البلد حتى، وأتندر كثيراً في أنني لم أزر شقرا وهي مسقط رأس عائلتنا في نجد ولا زرت الزبير، إنما عشت في الرياض، فقط، أقول صحيح أني لم أر الزبير، لكنني عرفته منذ زمن بعيد، وأحاديث أهلنا المليئ بالشجن عنه وعن ذكرياته جعلنا نحن كذلك نعيش نفس الشجن ونتمنى لو عشناه أو مررنا به، يذكرون أن الزبير في تلك الأيام لا يختلف تكوينه عن تكوين أي مدينة أو قرية نجدية، ويذكرون كيف أ، العوائل كلها تعرف بعضها، ولا يزالون، حقيقة، وشخصياً أعرف الزبيري من مجرد سماعي لاسمه أو أحياناً بمجرد الحديث إليه، وهذا قريب مشاهد، قبل أيام مر بي شخص بالعمل وتحدث قليلاً معه ولم أعرفه لكنني تيقنت أنه من الجماعة، وهذا ما حصل، رأيت اسمه عندما أعطاني بطاقة عمله. الترابط العظيم بين أهل الزبير مضرب للمثل، ترا الجميع تربطه علاقة قرابة مع الجميع، ويكفيك أن تزور المقبرة عند وفاة أحد الزبيرين وسترى الاجتماع العظيم، كذلك في المناسبات السعيدة.

يذكرون لي كيف كانوا يذهبون للمدرسة وكيف كان نمط التدريس لديهم، حيث أن مستوى التعليم في وقتهم لا يقارن بما تحصلنا عليه أو يتحصل عليه من هم بعدنا، وكذلك ذكرياتهم عن الجامعات هناك، جامعة البصرة وجامعة بغداد، غالب شباب الزبير درسوا في جامعة البصرة، وهناك جانب آخر من الذكريات يتعلق بارتباط شباب وأهل الزبير بالكويت، حيث أن الكويت بدءاً من الخمسيات كانت على موعد مع نهضة قوية ساهم في فتح أبواب سوق العمل للكثيرين ومنهم أهل الزبير، لكن استقرارهم فيها كان أقل، فأغلبهم عاد للسعودية بالرياض وبالدمام.

حقيقة، وأنا أكتب الآن بعفوية، أظنني لا أوفي الهدف من التدوينة، لم أرغب في سرد معلومات معروفة غالباً لدى الجميع عن الزبير، وإنما أرغب في تسجيل قصص وحوادث واقعية من ذاكرتي نقلتها عن آخرين عاشوا بالمدينة وبالتالي تكونت ذكرياتي عن الزبير من أحاديثهم وقصصهم، لذلك دعوني أذكر كيف كان الناس ذلك الوقت يحلو لهم زيارة السينما في البصرة في وقت العيد وغيره، وكيف كان يحلو لهم أيضا الذهاب للبر لاسيما في مثل هذا الوقت من العام، وقت الشتاء وفي وقت الربيع، يذكر لي أبي كذلك كيف كانوا ينتقلون يومياً من البيت إلى جامعة البصرة، عبر الباص أو السيارة ثم إلى قارب يسمونه الطبقة وهي عبارة تنقلهم من ضفة لأخرى اختصاراً للوقت، حيث جامعة البصرة تقع على الأطراف وليس في وسط المدينة.

وجانب آخر من الذكريات يتعلق بالبساتين، حيث أن الزبير تقع في مكان خصيب من العراق، فالنخيل والزراعة كانت أمراً عظيم في تلك الأيام، وكيف أن أنواع التمر كان يحصد في وقته يوزع ويستخلص منه الدبس أو يكبس أو يؤكل وهو لا يزال رطباً، وكيف أنهم كانوا يذهبون للمزرعة ويسبحون في النهر القريب ” الشط” ويستظلون في أعراش العنب وبين أشكال وأنواع المزروعات, ولا أنسى وصف أبي لهيبة النخيل في الليالي المظلمة والمقمرة، وكيف كان صوت السعف يثير الرهبة في الصدور، والمطر كذلك.

يذكرون أيضا رحلاتهم لبغداد والبصرة في الصيف، سواءاً لانجاز أعمال ما أو للترويح، ويسكنون في فندق كيفي، حيث يستمتعون بالتكييف الصحراوي، ويتناولون الطعام اللذيذ، وهو كالعادة أرز ولحم ومرق فاصوليا بيضاء، يسمونه “تمن ويابسة”، وجانب آخر هو جانب القهاوي التي تنتشر في الزبير، يتناولون الشاي والقهوة فيها، ويلعبون الآلعاب مثل الدامة والدومنة.

وإذا لم يكن لهم اجتماع في القهاوي كانوا يجتمعون في السكك أو العاير كما يسمونه، فيقضون الوقت في الأحاديث حتى إذا غربت الشمس عاد كن لبيته، وكيف كانت ذكرياتيهم في جلب الخبز من المخبز، والتنقل عبر الدراجات أو كما يقولون البايسكل، يذكرون لنا كذلك كيف أنهم يعرضون العرضة النجدية في العبد ويحملون علم المملكة العربية السعودية علامة على رجوعهم وارتباطهم في موطنهم الأول، نجد.

أتذكر أيضا تلك الكتب الكثيرة التي صدرت عن الزبير وكنا نتلقفها ونقضي الساعات الطوال نتأمل في قصصها وفي صورها، ونتندر عن حادثة أو فكرة حولها، أيضا العادات التي تسود حتى اليوم ولا أدري هل ستستمر مثل المعايد وخروج الناس لتناول الافطار يوم العيد، وأيضا الدواوين والترابط. أود أن أسجل هنا كيف يترابط شباب الزبير هنا في المملكة حيث يعيشون ويتجمعون في استراحات أو عزب تجمعهم لهجة واحدة وطعام واحد وأفكار متشابهة. حتى إذا تزوجوا كان الزواج بين الأسر الزبيرية.

كان أبي يحكي لنا عن ألعابهم وعن هواياتهم وعن كشتاتهم للبر، وكيف كانت مغامراتهم في عطلة الصيف، كيف أنهم يتطاردون على ظهور دراجاتهم الهوائية التي تعتبر ثروة عظيمة لمن امتلكها. ومن الذكريات عندي هي تلك الكتب الكثيرة التي ألفوها عن إمارة الزبير، وقرأناها بشغف لأننا نرغب في أن نعرف أكثر عن الزبير والزبيرين الذين نحن جزء منهم، مثل كتاب الأساتذة عبدالرزاق العلي وعمر العلي، وكتاب الشيخ ابن غملاس، وكذلك كتاب الزبير لأستاذ الرقراق، وغيرها من الكتب الكثيرة.

صحيح أنني أكتب بعفوية ومن خيالي الخصب لكنني أحاول ان أستغل هذه النفطة في نقل تصور حي وواضح عما كان يحصل في تلك الأيام في تلك المدينة، وكتاباتي هذه هي جزء من ذكرياتي وتوثيقي لأشياء يخشى عليها من الضياع لأنه تشكل جزءاً من هوية جيل بأكمله عاش متنقلاً في أكثر من مكان وخاض تجربة واسعة ومؤثرة صنعت منهم جيلاً ذهبياً ساهم في التطوير والارتقاء بمن حوله من أفراد ومجتمعات، ونرجو أن نحذو حذوهم فيما قاموا به، ربما يخلو كلامي وحديثي من الترابط ومن البلاغة أيضا لكنني ربما أعود وأكتب المزيد عن تلك الذكريات وعن تلك الأفكار.ةوفي الحياة متسع إن شاء الله تعالى.

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. رانيا محمد كتب:

    السلام عليكم …
    ماشاءالله تبارك الله .. الزبـير في القلـب كما أقول أنا دائماً ، أنا لست بـ زبيرية وليس لي أقارب زبارى ولكن أحبهم حباً الابن لأهله ،، ربما لأن أعز صديقاتي زبيرية ❤️.
    ذكرياتك عن الزبـير يا عليّ حية أشعلت وأوقدت خيالي بوصفك إذ همت أقرأ وأتخيل في الآن نفسه . شعرت بقليل من روح الإنتماء عندما قرأت عن استعراض العرضة النجدية والتلويح بالعلم السعودي ❤️❤️❤️ .
    الزبيـر وحضارتها وناسها كلهم جنّة 💛.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      وعليكم السلام ورحمة الله، أهلابك كثيراً، وشكراً على التعليق المفعم بكل هذه الحفاوة، سعدت حقاً بتفاعلك هذا، وإنها لصدقة كريمة أن ترين ما كتبته شيقاً ومثرياً، حرصت حقيق أن أوثق أشياء ربما تُنسى، لي ولمن بعدي، وهو جهد المقل، أحاول وهذا اجتهادي، ولا أزعم أني جئت بشيء، إنما هي أفكار بسيطة سجلتها لكل عابر مهتم، فخري بالزبير كبير، وبموطني الأول أيضا، وهذا التقدير في كلماتك صدقيني لا يصدر إلا عن روح كريمة، شكراً أختي المباركة، أسعدك الرب سبحانه، ولك كل التحية ولكن يعز عليك، زبيري أو غير زبيري.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s