ماذا قالت حبة الرمل لقطرة الماء؟

ذات يوم كانت السماء ملئى بالغيوم، وكان الهدوء مخيماً على الأجواء، وكان الشاطيء الرملي يجثم هناك في سكينة تامة، بالطبع كان الوضع ينبيء بانهمار السماء على نحو غير مسبوق، كان هدوءاً يسبق العاصفة، وفعلاً، في المساء انفتحت أبواب السماء بماء منهمر! وفي أول لحظات هذه اللوحة العجيبة التقت قطرة مطر مسرعة بحبة رمل مستلقية، ودار بينهما هذا التعارف العجيب.

صحيح، ربما أكون صغيرة، صغيرة فلا يراني أحدهم شيئاً، حبة رمل تذروها الرياح ويجرفها الماء، وتلعب بها الظروف ناقلة إياها من مكان إلى مكان. لكنني حبة رمل فريدة! مميزة في حجمي وشكلي وتكويني، حرة ومستقلة، ما اندمجت بسهولة مع أي حبة أخرى تعيش بالقرب مني، ومسؤولة تماماً عن نفسي، أو هكذا أظن! من أقداري الجميلة أنني قد أصبح لؤلؤة يوماً ما، أن أعيش في بطن محارة حتى أكبر ويقطفني الغواص فيتربح مني، ويشتريني شهبندر التجار لأكون درة في العقد الذي يزين نحر محبوبته المدللة. نعم أنا حبة رمل صغيرة، لكنني أقاوم كل الظروف، وأنحت الصخور، وأسابق الريح، وأسافر معه، نعم أعلم هذا الماء يداهمني، وإذا؟ ماذا في ذلك؟ لن أذوب فيه أبداً بل سأسبح معه، حتى لا يبقى مكان في العالم لا أراه، نعم أنا حبة رمل، صغيرة، لكنني راسخة.

وعند نهاية قولها الأخير هذا، التحمت بها قطرة ماء سماوية صافية فجرى الحديث على لسانها وقالت:

أنا الماء، قطرة من ماء، سهل، رقراق، عذب ومنعش، أُطيب خاطراً وأجلو الأدران، طهري عنوان رسمي، وبساطتي دليل قوتي، أتعاضد مع زميلاتي القطرات فنكون قوة لا يسهل على الآخر مقاومتها، ننحت الصخور ونشق الوديان ونغمر السهول، فتنتعش الأرض، وينبت الزرع. نعم قطرة ماء مباركة وسهلة ممتنعة وهنيه طوال الوقت، لكنني قد أصبح خطرة، عندما أغلي أفقد عقلي، فأطيش على كل متحرش بي، فأكوي وأشوه دون رحمه، ويصطبغ لوني بعشبة تذوب غزلاً ودلالاً فيَّ، ويذوب السكر والعسل هياماً بي وبطبعي. فمن مثلي؟ فمن مثلي!

ومن بعيد يقف المراقب البعيد ويتخيل في ذهنه كيف تتكون الصخور، فماهي إلا قطرات ماء صادفت حبات رمل فلما مضى عليها الوقت الطويل في جدال وممانعة لم تنتبه إلى أن هذه الجدالات تقربها أكثر وتزيد من فرص اندماجها وصلابتها والتحامها فلا يفل قوتها إلا الحديد أو ما شابهه، فلا يعود للرمل صوت ولا لقطرة الماء أثر، لا شيء سوى صلابة الصخور وقساوة الحجر.

وينتهي الحوار !

Advertisements

3 Comments اضافة لك

  1. Mater كتب:

    حوار جميل وكلمات رائعة

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أشكرك على الكلام اللطيف وعلى الزيارة الكريمة والطلة الحلوة

      إعجاب

    2. علي كتب:

      أشكرك على التعليق اللطيف وعلى الزيارة الكريمة والطلة الحلوة

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s