استعراض كتاب: وداعاً أيها القلق !

on

جئت لأكتب هذه التدوينة، ودار في ذهني أن أبدأها بأن هذا الكتاب هو من أجمل ما قرأت طوال حياتي، لكنني تراجعت عن هذه الفكرة، شعرت أن تكرارها لا يؤدي الغرض الذي أود إيصالها لكنها كانت وسيلتي في الدخول والتقديم لما أريد أن أكتب عنه، الحقيقة أن الكتاب الذي سأتحدث عنه كان قريباً من تشخيص حالات مررت وأمر بها، طبعاً مع التعامل الحياة وتطوراتها تتغير وتتطور ردود أفعالنا، وقد يكون هذا التطور بطريقة غير إيجابية، كأن نتخذ سلوكاً غير فعال ولا مفيد وهنا نبدأ بالدخول في دوامة. من أبرز نتائج حياتنا اليوم وهذا أشعر به كل يوم مؤخراً مع تطور حياتي، أننا نقلق كثيراً، أقصد بالقلق أننا نفكر فيما كان وفيما سيون، ويحاولنا عقلنا بذكاء شديد أن يوجد ويتعرف على كل الاحتماليات المتوقع حدوثها، جيدة أم غير جيدة، وذلك كي نتجنبها، أو نخطط لتفاديها، المصيبة أن كل هذا التعب الذهني والجسدي والعقلي والنفسي يذهب هباءاً عندما لا يحدث ما نتوقعه، فالاسترسال مع النفس في هذا المجال مهلك. أظن أنني أتحدث بشكل جيد حول هذه الفكرة من واقع قراءتي للكتاب، هذا يعني أنني استوعبت أفكار الكتاب الممتاز. دعوني أبدأ باستعراض الأفكار، والغرض من ذلك أن أوثقها لنفسي وأرسخها أكثر في وجداني ثم أنقلها إليكم أنت يا من تقرأون، أنتم أحبائي الذي أشترك معكم في تدوين هذه المدونة. فلنبدأ بالكتاب وأفكاره.

الكتاب مترجم، لكنهالترجمة كانت بتصرف، والحقيقة أن المترجم جزاه الله خيراً أحسن اختيار الكتاب وأحسن الترجمة والتصرف والتعليق، فالكتاب في أفكاره النفسية والتقنية التي يتحدث عنها جاء بعد ترتيبات كثيرة ودراسات كثيرة وتجارب قامت به المؤلفة الدكتورة ماثيوز، والكتب مختصر وبسيط التعابير، عدد صفحاته 160 صفحة تقريبا، والذي كان يفتقده الكتاب، وأكمله المترجم، هو ذلك البعد الاسلامي الروحي الذي نؤمن به نحن المسلمون وارتباط العبد في هذه الدنيا بخالقه، وتركيز الاسلام على العلاقة بين الدنيا والآخرة، هذا الأمر يفتقده مجتمع المؤلفة، وهو عندما يضع الحلول تكون ناجعة نعم، لكن ينقصها ارتباط معنوي بالخالق سبحانه، لأن كل شيء هالك إلا وجهه سبحانه، فمهما اعتمدت ووثقت بأي شيء في الدنيا فأنت لن تنجو، لأنها ستزول،من هنا وجب علي شكر المترجم على هذه الفكرة.

الكتاب قرأت عنه في نهاية أحد الكتب، كانت دعاية للكتب الأخرى التي تنشرها الدار، وحصلت عليه من دار الهدى للنشر والتوزيع بالرياض في حي الملز، ومكان المكتب مثير للغاية، فهي قديمة وأجزم أن الناس في الثمانينات والسبعينات كانوا يرتادونها بكثرة من واقع حديثي مع البائع الطيب الكريم. عودة للكتاب، الكتاب يحتوي على سبعة مفاتح تحملها معك في روحك لمواجهة تبعيات القلق، فالقلق ليش مشكلة، المشكلة هو تعاملنا معه، عندما نضخم تبعياته أو نحمله أعلى من حجمه، هنا تبرز مشكلته، يجب عليك تماماً أن تدرب نفسك على أن تعيش اللحظة وتنغمس وتركز على مهمتك الحالية المجدية بالنسبة لك واترك أي أفكار تقفز أمامك. وهذا هو المفتح الأول الوضوح والتركيز. كلما دعتك نفسك إلى فكرة أخرى وأنت في خضم انغماسك في مقال أو كتاب أحديث، انس غيره، فتأثير غالباً لا يذكر. هذه الأفكار هي مثل البريد المزعج الذي هو عبارة عن دعايات وسخام، لا تلق لها بالاً. عندما تنجح في ذلك ستصبح مدير ذاتك ولك السلطة في الاستفادة من الفكرة لأنك لا تسمح لها بالسيطرة بل تتركها وتنشغل بما يديدك ثم قد تتفرغ لها.

المفتاح الذاتي هو التراحم، اعمل دوماً على أن تساعد غيرك اذا استطعت، وتقدر موقف المقابل كلما تمكنت من ذلك، هناك أناس كثيرون من حولنا وكل من كيان منفصل له أفكار وخيالات وأحلام والتزامات، مثلك تماماً، تستطيع أن تزيح عن روحك القلق بالانغماس في مساعدك غيرك، فتجد أن الله يكون في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وتتذكر الحديث عن أن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس. وهنا تشعر بقيمة معنوية أعلى للحياة تتطغى على أي قيمة مادية ويبقى أثرها للأبد لأنها عند علام الغيوب، يربيها لك فهي صدقة، ألم تسمح بحديث كل سُلامى عليه صدقة أي كل جزء من جسدك يلزمك أن تتصدق عنه لله، وبالتالي فأنت عندما تتعاون وتتراحم وتساعد وتنشر القيم الانسانية الرفيعة أنت في الواقع تترك أطيب الآثار في هذه الدنيا وسيمتد الأثر غلى حياتك القادمة في الآخرة. فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء في الدنيا والآخرة.

المفتاح الثالث هو: فهم الأزمة، يعني أن تعتبر كل أزمة وكل مصيبة وكل ظرف يجعلك تقلق أو يمكن أن يجعلك تقلق أنه تجربة وفرصة للتعلم والتطور والتمحيص، وتأمل قول الله تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا، وكذلك تكرار ألفاض نمحص ما في قلوبكم، ونبلوكم ونختبرك، هذه طبيعة الحياة والأزمات، وفي الغالب، كم من أزمة في بطنا نعمة وتيسير وفتح آخر، الخلل في تعاملك مع فكرة الأزمة، الكتاب يقول تعلم منها واستثمرها واصبر عليها، مثل قصة ذلك الملك الذي طلب من حكيم أن يخبره عن جملة نفيسة تكون على نقش خاتمه، فينظر إليها وعتبر، قال له اكتب: هذا الوقت سوف يمضي، فإذا كنت في سرور فهو سوف يمضي، وإذا كنت في كرب فهو سوف يمضي، ويبقى لك الأجر والصبر والعلم.

المفتاح الرابع: فهم التغيير، الكتاب يقول لك حقيقة مفادها أن الشيء الوحيد الذي لا يتغير هو أن التغيير دائم الحدوث، فوطن نفسك، وانتبه وأنت في رحلة التغيير تلك، أن هناك أشياء جميلة ستعبر بها، هناك توت على الأرض يستحق الالتقاط وأنت تعبر بين الجبال، وهناك شمس مشرقة وسماء صافية وأنت تسير وسط الصحراء، وهناك ظل أيضا، انغمس في مفهوم التغيير وتتقبله واستمتع بالرحلة مع أبسط الأشياء، فهذا الوقت سوف يمضي.

المفتاح الخامس: هذا الموضوع الشائك، الموت! هذه الحقيقة الثابتة، هذا هو اليقين، الموت نخشاه ونهابه لأنه مجهول، لكن الكتاب يقول اجعله حليفاً من جانبين: يدفعك لإحسان العمل لأنك ستغادر، وأيضا يدفع إلى استغلال وقت بشكل جميل وتتمتع بحياتك وتغنم في الدارين، تأمل الدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. واقرأ هذا المقال.

المفتاح السادس: مفتاح الترابط، هذا المفتاح يعني أنك يجب أن تدرب نفسك على أن تنظر للحياة أنها فوضى مترابطة بشكل عجيب ومتقن جداً، إدراكك لارتباط أبعد وأتفه الأسباب بما يحدث كل الآن يجعل تدرك كيف أن الله سبحانه قد قدر كل شي وكل ميسر لما خلق له، لك أن تختار حسب وعيك وتفكيرك أفضل سبيل تظنه وفق إرشاد ربك لك ثم تتسلسل الأحداث، وكل هذه الأحداث لا تحدث بالصدفة المحضة فهي حلقة في سلسلة أحداث كثيرة علمناها أم لم نعلمها، وأجمل مافي هذه الفكرة هو التأمل، أن تتخيل كيف أن الوجبة التي أمامك أو الخبزة التي تقضمها قد مرت من مزارع لخباز وأضيف للعجين ماء وقبل ذلك طحنتها الطواحين بالرياح، تأملك لأبسط الأشياء يريك كيف أن أثرك له دور في الحياة وهذه فكرة لذيذة وتبعث على الاسترخاء بالنسبة لي.

أخيراً: المفتاح السابع، هو ليس مفتاحاً، هو الميدالية التي تضم المفاتيح، هي أن تستمر بالتدريب على المفاتيح وتذكر نفسك وتحاول أن تمارسها أكثر وتجعلها جزءاً من عنوان حياتك.

في ختام التدوينة، هذا مقطع ممتاز يشرح كيف أن القلق إذا لم نحتو تبعياته بشكل جيد قد يؤذينا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s