أيام وأُناس

الأحد:

اليوم هو أول أيام الأسبوع، عند المساء بعد العصر كنت أجوس المكان بحثاً عن الصحيفة، اصطدمت ب “إبراهيم”، شعر ناعم ووجه أسمر، وملامح طفولية غرّة، “أهلا .. كيف الحال؟” بادرته، “هلا والله” رد عليّ كما نقول عادة، واخترت إنهاء الحديث رأيت استعجاله وقلت: “عندي اختبار الآن”، فقال: “شكلك خايف”، وعلت وجهه ابتسامة، إبراهيم روحه متقده وملفته، ولهذا اخترت الحديث عنه في أول أيام الأسبوع، وفي شبابه نكهة الحماس والرغبة، لولا التدخين كان يعكر صفو ذاته، في ظني. فهمت من زملاءه -ولم يصارحني- أنه يحب الشعر ويحاول صياغته، يذهب إلى المنطقة الشرقية من الرياض في اليوم ذاته ويعود، بيده سبحة قديمة خشبية، تنقله وتفصله في عيني عن زمنه، يا إبراهيم مالك ومال السبحة، لكنه فتى طيب، يعشق القهوة السوداء، وفوق ذلك هو مؤدب ورزين.

الاثنين:

غرفة صغيرة جداً، إنها المطبخ، أو غرفة تحضيرية، انحشرت في زواياها: غلاية الماء، المكيرويف، ثلاجهة الماء والعصير، وفي دواليبها اصطفت مؤخراً علب الببسي والميراندا والعصير والبطاطس في محاولة تحويلها الى بقالة، وآه نسيت، وفي ركن قصي غير بعيد منها يتوسط كرسياً أزرق، باكستاني أنيق اسمه “نديم”، نديم عامل القهوة والشاي، أخذتني دردشتي العابرة معه ذلك اليوم إلى أماكن بعيدة لم أتخيل أن يقودني إليها سؤالي الساذج البسيط. حواري معه كشف لي كيف ان البشر أحياناً تخفي ملامحها وهيئتها الكثير مما تبطن. هدوءه وخجله وانكساره وحذره مع جسمع المتوسط وضرسه الأمامي المثلوم توحي لي بالكثير من الاستخفاف. جاءوا به إلينا بديلا عن الفلبيني الناعم جداً، ذو الضحكة الهستيرية، الفلبيني اسمه “جويل” واسمه المعلق بجانب رقم هاتفه يثير الشبهات، كثيريون يتندرون، “منهي جويل؟” أضحك عليهم: “جويل بحلق”، لا لا “جويل بقرع” سألته: “نديم، أين كنت تعمل من قبل؟” جاوبني بسرعه وبحماس منتظراً سؤالاً مثل هذا منذ دهور: “عملت عند رئيس الشركة، ثم نائبه والآن عندكم” قلت له: ” لا لا نديم أين كنت تعمل قبل أن تأتي إلى الرياض؟” دهشت من أنه عمل في الصين وباكستان وفي فنادق خمس نجوم وعمل في مصنع لتجميع مركبات الأدوية، أماكن لم أحلم في رؤيتها. انتعشت روحه بعد هذا الحوار، فصار الحديث يسلك مسلك اللغة الانجليزية، قالي لي أن راتبه قليل، وأن الناس هنا غير مريحين، شرح لي بكل شفافية، هناك طبقية مقيته، تخيل، الصين أفضل، قال لي. وفي عقلي قلت لنفسي أن ليت الآخرين يعلمون أن الاستهزاء والاستخفاف بالآخرين يؤذي روح المستهزئ قبل أي أحد، بعضهم يقوم بذلك بنية طيبة، بجهل مطبق. ومن فعل السوء بجهالة فإن الله غفور رحيم. نديم مرتبط بامرأة في وطنه، ويطمح بالحج والعمره، يسر الله سبحانه أمرنا وأمره, دعواتكم لي وله.

الثلاثاء:

في مكتبي، أجلس على الكرسي، تشغلني أشياْ كثيرة، يفاجئني أحدهم، ومعه “بدر”، موظف في قطاع شبه حكومي، أنيق جداً جداً، بشماغه المكوي وياقته المطبقة على رقبته، أشعر أنه سختنق، بالمناسبه يدهشني المتأنقون، لمن؟ من يستحق أن تتأنق له؟ بالنسبة لي أحب أن أتأنق لنفسي فقط، قبل أي أحد ثم أتأنق للآخرين. وإن كان غير ذلك فلا معنى له. أعود لـ “بدر”، شاربه الخفيف ولثغته الظريفة في حرف السين، التي تقلبها شيناً، تجعلني لا أنساه وأسجله في يوميات يوم الثلاثاء، ملفت جسمه العريض والطويل، لا أدري لماذا يدور حديثي فقط حول شكله؟ ربما كان هذا الشيء الوحيد التي لفت انتباهي وأثار اهتمامي فيه. لا أدري تماماً.

الأربعاء:

اجتماع، اليوم مطلوب حضوري في اجتماع، لا أحب الاجتماعات، بالذات العشوائية والعفوية، قرأت مرة أنها سامة، تسمم العمل وتقضي على الفاعلية والكفاءة، لكنهم يحبونها كثيراً عندنا، خصوصاً عندما تكون بلا أجندة وبلا هدف ولا وقت محدد ويُدعى لحضورها 20 شخص على الأقل، هذه قصة أخرى، يوم الثلاثاء قابلت فيها شخصاً لأول مرة وهو أمر جيد أنني خططت في الحديث عن شخص ما كل يوم، وشعرت أن أتحدث عن شخص ما دون أن أراه قبلها سيكون أمراً مثيراً للغاية. “سلطان” شخص أربعيني، أول انطباعي عنه كان التردد والضعف، رأيته للوهلة الأولى فظننته قوياً بدرجة كافية، خصوصاً أنه انتمى لشركة عريقة، لكنه خيب ظني، كان مفاوضاً ضعيفاً وغير مرتاح تماماً مل يقول ويفعل، لعله مجبر على الحضور، هذا ما كنت أحاور نفسي بشأنه. كي أكون منصفاً، لم يكن بالشخص السيء، فهو ودود وممتن لكنه ليس على مستوى النقاش، هل أراه شيئا؟ لا أدري.

الخميس:

عامل التنظيف البسيط جداً، “باندوش” شاب يحمل هم نفسه وهم أسرته الصغيرة هناك، في أعماق الهند، لا يتحدث إلا لغته ربما، أحاول التواصل معه بتكسير كل اللغات، الانجليزية والعربية والإشارة، يبتسم دائماً، ويعبر بمكتبي ويتلقط سلة المهملات باستئذان، قد يكون إنسان خالياً من المهارات وأقصى طموحه أن يزيد راتبه الضعيف قليلاً، لكنه مبتسم وهذا أمر مميز، يسألني دائماً وأعرف السؤال في وجهه عندما يقف وينتظر، “كيف يعمل التانجو أو الفايبر؟” أجهل هذين التطبيقين، مع الواتساب أيضاً، لكنني أوجهه لغيري، إذهب إلى محمود، محمود يرد بأنه ابنته الصغيرة تعرف كل هذا، جاءني مرة وعندي موظف قديم، سألت القديم أن يسأله ما ديانته؟ لأنني لا أدري هل هو مسلم فأرشده أو غيرها فأدعوه، تفاجأ بسؤال ذاك، ورد بأنه هندوسي. جاءني بعدها وتسائل لماذا يسأله ذاك؟ قلت له أنه حديث عابر وما وددت أن تكبر الفجوة. سأدعوه للإسلام يوماً ما، ففيه بذرة طيبة فيما أظن. آخر أشياءه: جاءني يبيع بطاقات الاتصال، سوا وموبايلي، استريت منه موبايلي بعشرة. ولا يزال يمر بي عندما أتأخر في مكتبي معلناً أنه انتهى من عمله وكأنه يودعني، فأشكره ويذهب وهو يطير من الفرحة، فاشكروهم وأسعدوهم.

الجمعة:

ها قد بدأت نهاية الأسبوع، فكرة تغيير نهاية الأسبوع لتبدأ بالخميس رهيبة، أحياناً أتسائل، أين هم عن تطبيق هذه الأفكار منزمان؟ الجمعة صار جوهرة الويك إند كما يقولون. وفي الويك إند ألتقي بشخص حميم، “صالح” الشاب الواثق المنطلق، المرح جداً والمضحك في تعليقاته وأفكاره والذكي جداً في تصرفاته، شاب معتد برأيه ويحق ذلك له، كفاحه ونهوضه بنفسه، وإخلاصه للتقنية وللعلم يدهشني. أضحك معه وأمازحه دوماً حول “الدروب بوكس” يستخدمه بشده، ويزامن كل شيء مع كل شيء. معجب أنا جداً بفعاليته وتنظيمه. يروق له مع ذلك استخدام اللغة العربية لكنه يسخر من الأنظمة البالية أينما كانت، يضحكني كثيراً بقصصه، قصة انفجار مكرفون الجامع وقت صلاة الجمعه، ربما لارتفاع صوت الخطيب، تجاذبنا كثيراً وجبات العشاء في شاورمر وفي أماكن عديدة، أكثر ما راق لي هو تحمله لي، على الرغم من مزاجي العنيد، هذا دليل على كرم أخلاقه، أكثر هواياته الظاهر هو مهاتفة الناس، ينطلق في مشوار بالسيارة فلا يرتاح إلا باتصال بي أو بأحد غيري لينطلق بأحاديث تشبه أحاديث النساء وقت الضحى، عبر الهاتف، طبعاً ليس عن مواضيع النساء لكن عن مواضيع تهمه كالتقنية والعمل والجامعة، أشعر أنه يستةوحش وحدته، يقصد أن يقطع الطريق بالحديث وهي استراتيجية فعالة إذا كنت تحتمل الامساك بسماعة الهاتف والحديث طوال نصف ساعة أو أكثر، أضحك عليه عندما يتصل بي أنني خدمه بث الشكوى والأحاديث، تفضل: سولف، فنضحك.

Advertisements

One Comment Add yours

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s