كوامن الفكر

on

مدخل:

 كتب ابن رشيق القيراوني إلى بعض أقرانه كتاباً في مدح السفر، فقال:

مَثُلُ الرجل القاعد كمثل الماء الراكد، إن تُرك تغير، وإن تحرك تكدّر، ومثل المسافر، كالسحاب الماطر، هؤلاء يسمونه رحمه، وهؤلاء يدعوه نقمة، فإذا اتصلت أيامك ثقل مقامك وكثر لوامك، فاجمع لنفسك فُرجة الغيبة، وفرحة الأوبة، وكن مثلما قال الشاعر:

غب عن بلادك وارج حسن مغبة

إن كنت حقاً تشتكي الإقلالا

فالبدر لم يجحف به إدبارهُ

أن لا يُسافر يطلب الإقبالا

وبعد هذا المدخل أكتب إليكم من أمامي كمبيوتري المحمول وتتناهى إلى سمحي أصوات تكسر الأمواج، أمواج ساحل خليجي تختلط أصواته مع أصوات بقياً الليل من رياح وهوام، وفي عيني ينعكس انفلاق الفجرن وفي روحي تعطش وشغف شديد إلى الكتابة.

في وقت بعيد مضى، قرأت مقالاً أثار في نفسي كوامن الفكر، أو أني شعرت بقبس الحكمة، فحرك في نفسي تجربة تعابير الكتابة، لكنني ركنته طويلاً في المسودات، ويداهمني شعور بإهماله والخوف من ضياعه وانمساحه وإدبار شغفي بالأفكار التي فيه، وكنت عندما قرأته، أثار في الرغبة في محاكاته وتسويده والتصرف فيه. ففي قابل الفقرات في هذه التدوينة سيكون مصدر الكتابة هو بقايا ما علق في لساني وعقلي من مقال الجريدة.

هل نحن في حفلة تنكرية ؟
قد يكون صحيحاً أن كل منا يجدر به أن يعتبر نفسه مشغولا بحفلة تنكرية كبرى يخوضها في أحياناً حفلة تنكرية له تقام في إيوان ضخم ونوافير ولها طابع الأعياد والكرنفالات، وفي أخرى قد يتقلص الحفل فلا  تتسع له أبيات قصيدة، في كتاب سري لفتاة خجلى تتلمس أولى طفراته ولواعجه في صدرها.
***
بلادي والحب
* كتب محمد حسن علوان “كم هو الحب في الرياض عنيف أحيانا، لأنه مدفوع بالثورة على كبت متوارث، وكم هو خائف أيضا، لأن مصير الثورات التي لا تنجح هو الإعدام”.. إذن فالحب عمل جنوني أو عمل غير حذر إذا أردنا التعبير عنه، أحقا مدينة الرياض مدينة الجسور العالية التي لاتفهم عشاقها؟ أيمكن أن يكون للحب مدنه التي ترعاه حتى يكبر فيها وينمو؟ أين هي مدن الحب هذه؟
***
لا يخلو جسد من حسد, لكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه
* ما هي الأخطاء التي لا يمكن أن تغتفر في العلاقات الإنسانية؟ وما هو عدد المرات التي سامحت بها وأنت تعلمين بأن في العفو والصفح تجاوزا لآلامك وتغافلا عن مساوئ الآخرين؟
– الحسد والدناءة وسكاكين الظهر من الصعب تجاوزها، لكن عندما تصادفني لا أجعلها محورا لحياتي بل أرثي لأصحابها التي اعتقلت أرواحهم في ظلماتها، وفي نفس الوقت أفر عن طاقاتهم السلبية التي من الممكن أن تقصيني عن رحلتي الكبرى.
ولا أنزه نفسي فلست بمنجى من هذه المشاعر ولكنني أعترف بأنني بت قادرة على اقتناص تنكرها الماكر داخلي تحت شتى الذرائع أستطيع أن أقبض على نفسي وأنا في حالة غيرة فأهمهم بهدوء (ها سيدة أميمة هل ما ينتابك الآن ما يسمونه الغيرة)؟
فلا أخجل من تلك الأحاسيس وأعلم أنها أحد أشكال التعالق مع الحياة ولكن في شكلها البدائي جدا، فقط أطلب منها بلطف أن تجير طاقاتها لحسابي، يقول الفيلسوف (نيتشه) “أن الحسد والغل والرغبة في التميز هم المرجل الذي يحرك طاقات البشر إلى الأمام” ولكن يبقى كيف نحررها من طاقاتها السلبية بشكل لا نفقد معها قيمنا وإنسانيتنا، فقط نعترف بها ونتصالح معها لتصبح وقود عربة خيول نيرانية تأخذنا إلى أعلى، بدلا من أن نتركها تقرضنا بكلاليبها إلى حد الهلاك؟
***
تويبع، ذلك الموسم الغرائبي
الوسمي الذي يخفق قادما فوق أجنحة (صبا نجد) وحينما يهطل على الأرض تنبت الكمأة وحينما يهطل على البحر ينبت اللؤلؤ، ومن ثم ما يلبث أن تتبعه (المربعانية) تلك العجوز العابسة الجافة التي تتطاير عباءتها بلفح الرياح السيبرية، ولا يكفيها أربعون يوما قارسا بل تسلم المهمة إلى ابنيها الشبط الأول والثاني! إلى أن يدخل نوء سعد السعود أول منازل الربيع ويرجع الماء للعود، ويستقيظ تموز من غفوته.
***
تدجين الذات او حكمتها؟
تفاصيل عتيقة وتقويم ثري يعبر عن المكان ويختزل أساطيره، اكتشفت ذلك التقويم وتموسقت معه، كونت هارموني مجدولا بالنجوم ومطالع الأنواء وقمرا صحراويا يحاذي الأفلاك أميرا لليالي، قمرا مزاجيا أحيانا يكتمل وأخرى يبكر بالغياب.. هذه الأجندة شعرت أنها أصدق وأنبل من أجندة الفصول الأربعة الخاضعة لتقويم المستعمر ومعرفته المركزية.
***
متى تنعسف خيولنا؟ ولماذا؟
فرسي الحرون تطهمت وتدجنت وأصبحت هودجا هادئا، بعد أن عرفت أنا أن الحياة تود من ينصت إليها أيضا، لا أن تمضي طوال الوقت في استقبال ثرثرتنا وشكوانا.
***
لا تشتك
عندما نتقن توزيع المهام والأدوار وانسكاب حلقات الضوء فوق خشبة مسرحنا، ومن ثم ننغمر في الدراما الكونية بمتعة سننجو، ولن نظل نهرول في مساحة ضيقة كذبابة حبست في قارورة تطير بين الأسفل والأعلى يستغرقها دور الشهيد المظلوم وهي تظن أنها قطعت مسافات طويلة بينما في الواقع هي رهن الإقامة الجبرية داخل زجاجة
الشكوى الدائمة هي إهانة لجلال وهيبة هبة الحياة وفرصها اللامتناهية.
***
بعد هذا المقال تاقت نفسي لتجربة قهوة الميلانج، وبحثت عن طريقة صنعها وحاولت فك طلاسم إعدادها، للأسف لم تنجح في إغوائي، على الأقل حتى الآن.
Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. حبات المطر كتب:

    خذها قاعدة المدن الساحلية هي مدن الحب ، لأن الرطوبة تلينهم تدريجياً إلى أن تلين القلوب لأقصى حد ممكن
    طبعاً الدمام على رأس القائمة.. ايّ نعم أتحيز و يحق لي :) ، وتتبعها المدينة رغم بعدها عن البحر ، هذا داخلياً أما خارجياً فليس لي رأي .
    قرأت قبل أيام شيء عجبني عن الدمام أظن كتبته ( هدى الشمري ) :
    ” هنا الدمام
    هنا موج السهر يكتب
    على شط الحنين أحلام
    حبيبي يا حبيبي
    نوارس سُمرتي في ظلمتك تاهت
    وتاهت مع نوارس سُمرتي أعوام ”

    بالنسبة للمدخل عن الأسفارفأظنك تبرر لنفسك أو تقنعها بالسفر ، ورغم أنه يطابق وجهة نظري قديماً حيث كنت أردد أبيات الشافعي ” سافر ففي الأسفار خمس فوائد .. ” إلى أن كبرت وسمعت مصادفة حديث أن السفر قطعة من العذاب ، عندها تبدلت الأفكار تماماً و مهما كان السفر حلو إلاّ أن حلاته لا تدوم ،و يكفي منه مشقة الاشتياق .

    إعجاب

    1. علي كتب:

      هذه قاعدة حقيقية، الجغرافيا طابع مهم يساهم في تشكيل الإنسان، قالوا قديما وحديثاً عن طباع أهل الجنوب وأهل الشمال، أعني أي شمال في أي مكان وأي جنوب كذلك، المثير أن أهل الجنوب تتطابق طباعهم دوماً مع كل جنوب في كل بلد، الأمر المثير الآخر أن أهل الجبال تقسو طباعهم وتكون علاقاتهم صريحة وواضحة ومباشرة، اكتسبوها من صلابة الجبال، الهضابيون مثلي، يرتفعون وينبسطون، مثلما تنبسط الهضاب، صحيح أن فينا جفافاً، لكننا نحتمل الكثير، مثلما تحتملنا أراضينا.

      أتذكر عندما أرى الشاطئ الشاعر البحريني عبدالرحمن رفيع
      وصوته ينطلق بقصيدة عامية من شريط الكاسيت في سيارتي القديمه:
      الله، على سيف البحر
      والدنيا صخّه .. والمطر
      لي طقه المرزام على تراب الطريج
      كنا صغار
      ما نعرف هم وضيج.

      صدقيني، لا أحب السفر وفعلاً أبرر لنفسي، لكن الكلام مقنع، السفر قطعة من العذاب حتى لو كان بالدرجة الأولي، حتى لو على بساط الريح، لكن السفر القاصد مهم ويجمع فرجة الغربة وفرحة الأوبة، وللآخرين علينا حقوق ، وأولها تسجيل ذكريات لا ننساها معهم.

      التزمّل هو عنواني في السفر، لكنني تعلمت درس من قصة خالتي عندما حكت لي كيف سافروا مع والديها وأخوانها العشرة في الستينات على متن سيارة من الزبير إلى الاسكندرية وعبروا بالشام والقدس وبيروت في رحلة لا تنسى أبداً أبداً، ضحكت من نفسي، أسبوع وبالطائرة ومعي زيد فقط وأشيل هم.

      المقدر كاين يا ابنة الأجاويد، شكراً على التواصل.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s