أنا علي الشَجَرة

شجرة التقطت صورتها من شاطئ فندق الانتركونتيننتال بالجبيل

مرحباً، لا تقلقوا لست شخصاً آخر، أنا علي، صاحبكم، المدون المغرد، خارج السرب أحياناً. لكنني ومع الأوصاف السابقة تأملتني ذات يوم، واكتشفت أمراً عجيباً، وهو أنني شجرة، نعم، شجرة. بدأت حياتي برعماً أخضراً رطباً متفتحاً غضاً. وعيت على الدنيا ككل الأطفال الذين نعرفهم، مبتسماً ،متفائلاً جداً، حتى لو رماني زماني بكل بلوى شرقت بها،  أشم الهواء العليل وأتنفس الأكسجين النقي. وأشرب من ماء الحياة العذب الزلال القراح. وأكبر وأكبر وأكبر، دون أن أعي أو أشعر تماماً، فتراني كمرء أمسكه به أحدهم من يديه وطاف به على أيامه وفرّجه على أحداثها وسلّاه ولهّاه قليلاً، حتى إذا فارقه على حين غرة وفجأة، انتبه ووعى! أُذكركم مرة أخرى، أنا شجرة شققت وجه الأرض التي منها خلقني ربي، وفيها يعيدني، ومنها يخرجني تارة أخرى، أشقها مبتسماً، أصد نظري وأشيح عن أي حشائش حقيرة بغيضة وأي طحالب رجسة نجسة. أميل إلى شجيرات تشابهني، لأحاديثها رائحة الأرز والعنبر والصندل، تحترق وتبعث أطيب روائح العود. لكن!! الحياة لا تستمر هكذا ولا يبقى على أمر لها حالُ، بدأت نسائم الحياة العليلة تشتد، وبدأ معها عودي يقسو، عواصف لا مفك ولا مهرب منها في حياة كل كائن بشري في هذه الدنيا، كل كائن إنساني خلقه ربه في كبد ومكابدة وشقاء، هزات أرضية وحرارة حمى وضعف وقوة وسأم ومرح، تدور الدنيا وتتقلب. ومع هذه الأشياء اكتشفت أمراً مهماً، وهو أنني صرت أعرف نفسي، صرت أحس بها، صرت أعي ذاتي، أو …. هكذا أظن! ففي كل يوم أظن هذا الظن أجد أنه يتجدد في ذاتي ومن حولي، كل صراعاتي، ولا ينقذني أبداً سوى ذلك الحبل الوثيق والعروة الوثقى التي يهدي الله سبحانه إليها من يشاء فتسكن روحي وتسكن الأشياء من حولي وهكذا، مثلما يقول القصيبي في قصيدته:

أحس بأن أيامي طواف حول دائرة من الأوهام،

كلما قلت انتهت ..

بدأت

وتطول قدامي !

نعم، أظنني الآن صرت شجرة كاملة في أوج اكتمال لحاءها أصنع قدري ويصنعني قدري، أتأثر وأؤثر أغير وأتغير، صرت سامقاً لا أعرف إلا أن أنمو وأثمر، لكنني لست أدري؟ هل أنا شجرة برتقال أم منجا أو كنت نخلة، يارب، إيه يا رب اجعلني نخلة، يارب. لا أنسى عنفوان وألم التمدد عندما نضجت روحي واشتدت وكاد جسدي القديم أن ينوء بحمل روحي فتفتقت جوانب جسدي واتسعت وشققت السماء بعد أن كنت أشق الأرض، ورسخت أقدامي في الارض مثلما كلمة راسخة أصلها ثابت وفرعها في السماء وأرجو أن تؤتي أكلها كل حين بإذن ربي. ربما جاء مع الرسوخ الثقل والتحمل الشديد وطول مقاومة الرياح والعواصف، والكثير من الهدوء والروية، هل رأيت شجرة تحمل حقائبها وتسافر، كل الأشجار ديدنها أن تردد مع القائل إني مقيم ما أقام عسيبُ، ثم تموت واقفة. صار يستند علي أكثر من واحد بعدما استندت على الكثير. لكنني لا أنسى أن أختم بقول ورجاء ألا أكون مثل السنديانة الضخمة الجثلة بل أكون مثل السنابل، تهب عليها النسمات والرياح القوية فتنكفئ قليلاً ثم تعود، فلا تذرها الريح الصرصر أعجاز نخل منقعر، ويثقل رأسها بالسنابل فتثقل وتنحني تواضعاً. لا معنى للصلابة والقوة دون رحمة وسلامة صدر. فاللهم تثبتني بالقول الثابت بالحياة الدنيا والآخرة.

غيمات عطرة:

١

أتي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا وهو بين أصحابه بجمار (وهو قلب النخلة الحلو) فقال لأصحابِه ” أخبِروني عن شجرةٍ ، مثلُها مثلُ المؤمن ِ” . فجعل القومُ يذكرون شجرًا من شجرِ البوادي . قال ابنُ عمرَ : وأُلقِيَ في نفسي أو رُوعي ؛ أنها النخلةُ . فجعلت أريدُ أن أقولَها . فإذا أسنانُ القومِ ، فأهابُ أن أتكلَّمَ . فلما سكتوا ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ” هي النخلةُ ” . 

٢

مثلُ المؤمنِ كمثلِ خامةِ الزرعِ ، يفيءُ ورقُه ، من حيثُ أتتها الريحُ تكفِئُها ، فإذا سكنت اعتدلت ، وكذلك المؤمنُ يُكفأُ بالبلاءِ . ومثلُ الكافرِ كمثلِ الأَرزةِ ، صمَّاءُ معتدلةٌ ، حتى يقصمَها اللهُ إذا شاء

Advertisements

One Comment Add yours

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s