طريق خريص

قبل أشهر تأملت أثناء عبوري بطريق خريص بالرياض وبالتحديد متجهاً إلى الغرب وأنا أمتطي بسيارتي جسره المشهور، جسر الخليج العربي، وتذكرت الكثير من الذكريات التي طوتها العقود الثلاث الماضية من عمري ولها ارتباط بهذا الطريق الحيوي الشهير. من أين أبدأ؟ قبل أن أصل إلى هذا الكوكب يحدثني أبي أن هذا الطريق كان موحشاً جداً، مظلماً وتلتهمه الرمال من الجانبين، ولا يوجد على طرفيه إلا مقاه وناس تسمر بعيداً عن المدينة، بعيداً عن الرياض التي تتمركز في وسط المدينة الحالي، وتمتد في أقصاهاً إلى حي الملز شرقاً. وكيف أن الإضاءة والأنوار تتلامع من بعيد وبالكاد تنير شيئاً في ذلك الليل البهيم. وأتذكر هنا قصيدة القصيبي رحمه الله عن الرياض، حيث أتذكر المقطع: وعند خريص نطرح الهموم، هذه حقيقه لأنه مكان المختلين بالبرية، فلا أنيس ولا جليس. سوى الليل والقمر والنجوم.

ثم تهب النهضة والتنمية في مدينتي الحبيبة الرياض، فتقز العمارات في وسط الطريق الذي تحول إلى أوسع وأشهر طريق في المدينة، وفي أحد العمارات المتأهبة المهيبة في الطريق، تشاهد مستشفى العسكري، حيث أبصرت النور في ثمانينات القرن الماضي، كانوا يقولون أننا خضعنا لتجارب في استعمال فيتامين دال، ولا أدري ما نتائجها. هذا الطريق الطويل مشيته ألف مرة بل ألفين، مشيته ألف ألف مرة، منذ أيام زيارات الدارس حيث نقطع الطريق نحو حديقة الحيوان، ،نعبر بمصنع الببسي حيث البخار المتصاعد من آلاته حيث نظن أن يحترق، ونعبر ببنده الذي نطل عليه من الأعلى، أقدم السوبرماركتات في الرياض. وأكثر الأشياء الأثيرية في قلبي، تلك العمارة القديمة التي يلوح في طرفها كتابة قديمة لماركة قديمة، كارتير بلون النيون الأحمر!. هذه اللوحة باتت أثراً بعد عين، بقي بقعة مكانه والحمدلله أن العمارة لم تزل حتى الآن تصمد ولا أدري هل يشغلها أحد. وماذا عن أسواق حسام التي أعبر بها في الطفولة ولا أدري ما بداخلها، فمرت الأيام حتى صارت أثراً مهجوراً لا ترى فيها بشراً. أما محلات تأجير السيارات التي يغص بها الطرق الثاني من الشارع.

على اليمين تماماً ترى المطار العسكري، وكثيراً ما اقتربت فوق رؤسنا طائرات تريد أن تعانق الأرض وتهبط، وكذلك الأرض الفضاء المحيطة بالمكان. انتثرت مشوايري طوال تلك السنين على هذا الطريق، باتجاه الغرب والجنوب أسلكه متجهاً إلى وسط الرياض أو إلى طريق التخصصي، وقد أسلكه إلى الملز، الحي الذي أحبه جداً. وكيف تقرأ أسماء الشوارع فيه، فهذا جرير وذاك الفرزدق وهذا شارع سيف الدولة والمتنبي. وقد أسلك بالاتجهاة المعاكس، فأقصد الشرق، حيث وادي الثمامة والجنادرية وحي الروضة، ومرتع الصبا في حي الخليج وبغلف والنهضة، وقبلها الريان حيث ألقت عصاها واستقر بها النوى حتى حين. وأما مثلث الموت حيث الزدحام وختناق الطريق عند موسسة التأمينات وفندق ماريون والمستشفى العسكري فحدث ولا حرج.

ولا أفارق هذه التدوينة إلا وأذكر شهرة الازدحام الصباحي الذي لا حل له أبداً في طريق خريص، ربما مع النقل العام والقطارات قد يحل شيئاً؟ لكن هذا أمر يتندر الكثيرون حوله، ولا أنسى كذلك غرق هذا الطريق الذي يسمونه مخرج ١٣ حيث طالت أيام غرقه أيام الأمطار حتى حلت المشكلة.

لا أدري هل هذه تهويمات مدون شارد، أم أن لهذا الطريق ذكريات في وجدناك وفكرك أيها القارئ، تحياتي.

Advertisements

3 Comments اضافة لك

  1. يزيد كتب:

    اذكر اسواق حسام :) و اذكر فرعه الموجود في العقاريه رقم 1 ، هو محل به يتم بيع بعض البضائع المستورده باختلافها من ملابس الى سي دي الى حقائب ، بضائع منتقاة وفق رغبة صاحبها والذي قيل انه فتى وسيم يدرس في احد المدارس الاهليه يسافر كل صيف مع اسرته ويرغب في تطوير خبراته الاقتصاديه و بان يضيف ما يراه في الخارج و يعجبه الى السوق السعودي ، كان مشروع فردي به تعلم و به اشترى الناس و به باتت هناك لوحة تحمل اسمه وذكرى نحكي عنها اليوم .
    كلما مررت ايضا من جسر الخليج و شاهدت المحل فكرت بالكتابة عنه او تصويره وسعدت بانك بدأت و ها أنا أكمل موضوع الصورة بما لدي .. شكرا علي .

    إعجاب

    1. علي كتب:

      معلومة جميلة، حقاً أتمنى لو أعود للثمانينات والسبعينات وأقول هذا لبعض من حولي، أن تعود وتنظر كيف كانت الناس تمشي، أحب في تعليقي أن أحكي لك كيف كنت أتمنى أن أدخل إلى هذا المكان لكن العجيب أن لم تكن هناك ولا فرصة سانحة، الحكاية كانت في صغري عنرما كنت في السيارة مع أبي وعندما خطفنا مقابل المحل لا زلت أحتفظ في عقلي لمحة عن ذلك المكان، أتذكر الازدحام في مدخله والناس في داخله ولايزال يخيل لي أنني أشاهد بائع الجبن يخدم الناس بقبعته الطويلة، شيء مضحك لكنني لا أنساه.

      ثم إن حديثك عن العقارية جعلني ألتفت إلى ] أمنيات أخرى تتعلق بذلك المكان العريق والقديم، زرته قبل سنتين ربما، تجولت في مكان كان يغص بالبشر يوماً ما، سأزوره مرة ثانية بالتأكيد، وسأحرص على تناول آيسكريم أول كيس فشار أو كأس شاي سريع، في شارع الستين حيث العقارية القديمة تشاهد أنها تزال الآن ولا أدري ماذا سيحل محلها؟

      الأماكن والتاريخ والذكريات تحتل مكاناً أثيرياً في ذاتي وجداني، شكراً لك يزيد على تعليقات الثرية التي تدفعني للمزيد وتقول لي أن هناك من يشاركني اهتماماتي وأفكاري، تحياتي

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s