لافتات من كتاب: خمسون عاماً في الإدارة !

لا أمل من الحديث عن إعجابي بكتب السيرة الذاتية, فهي دائما تصنع في روحي وعقلي فرقاً وقيمة إضافية، معلوماتها وذكرياتها تثيرني إلى حد بعيد, ذلك لأنني وأنا أقرأها أتصور حياة ذلك الانسان, وأتخيل قصته التي مر بها، وأندمج معه وكأنه يحدثني ويخبرني عن أشياء لم أكن أعرفها، وغالباً ما ينتهي الأمر بأني أعتبر نفسي صديقاً عن بعد مع صاحب السيرة الذاتية، أعلم أن هذه ربما تكون صورة رومانسية سعيدة، لكن لا يسعني إنكار الفوائد الجمة من كتب السيرة الذاتية، ولست في هذه التدوينة أقصد أن أذكرها. وهناك رأي بالمقابل يتوجس من بعض كتب السيرة الذاتية إما بسبب المبالغة أو ربما الصياغة والترجمة. وفي هذه النقطة تحديداً لا تختلف كتب السيرة عن أي كتب أخرى. فهناك الجيد وغيره، وأنت القارئ الناقد.

في هذه التدوينة أعود إلى كتاب قيّم جداً بالنسبة لي, قرأته قبل أشهر, والكتاب هو سيرة ذاتية إدارية إن صح التعبير, تشبه إلى حد كبير سيرة غازي القصيبي رحمه الله تعالى الإدارية, وهي ربما سيرة تفصيلية لها. خصوصاً أن صاحبها عاش مع القصيبي وشاركه في منجزاته. الكتاب هو السيرة الذاتية للإداري إبراهيم المنيف, عنوان الكتاب: النفط, الطفرة, الثروة .. خمسون عاماً في الإدارة التنفيذية.

وما سأحاوله في هذه التدوينة هو لفت الانتباه لهذا الكتب الذي يرصد جوانب تنموية عظيمة خاضها المؤلف وساهم بها, وذلك من خلال اقتباس بعض لافتات وجدتها مهمة ومثيرة من صفحات الكتاب البالغ عددها قرابة الستمائة صفحة, ماذا بقي؟ لنبدأ مع الاقتباسات.

من الطرائف المدهشة التي ذكرها الكاتب أنه لاحظ أثناء عمله في محطات ضخ النفط عبر خط التابلين كيف أن البدو الذين عاشوا وعملوا هناك مع الأمريكين القادمين من تكساس تعلموا لغتهم ولهجتهم بمجرد التواصل الشفهي, رغم أن هؤلاء البدو لا يقرأون ولا يكتبون حتى بالعربية!

الإرث الباقي من محطات ومساكن ومجمعات العاملين في الخط القديم خط التابلاين يستحق أن يوثق تاريخه, منذ أن أنشيء في بداية الستينات وحتى تم بيعه على شكل خردة لليابان في عام 2008م, هذا المشروع وتلك المناطق تحتاج الى ومشروع رصد وتوثيق وتبيان لأنها كانت مرحلة تنموية عظيمة في وقتها, ولا يبالغ الكاتب عندما يقول أن تلك المناطق كانت أكثر تطوراً من الرياض العاصمة نفسها.

المؤلف إداري مخضرم, عاش العمل الميداني على أكثر من مستوى وتدرج في وظائف كثيرة, وبعد ذلك درس أكاديمياً   الإدارة وحصل على الدكتوراة من جامعة إنديانا في أمريكا حيث كان هو السعودي الوحيد الذي تخرج منها  الى يومنا هذا, من هذا المنطلق فهو في مذكراته هذه ينقد حال العرب, ويقول أن المشكلة -وذلك نصف الحل, أعني أن تعرف المشكلة- أنهم جهلوا الإدارة, ويستشهد بمقال للمفكر الكويتي محمد الرميحي. حيث يقول:

“لقد خضنا نحن العرب حروبا عديدة في العقود الأربعة الماضية ، وكان ما فشلنا فيه هو إدارة الجيوش ، فأنت تقرأ اليوم مذكرات القادة ، وقصص الزعماء ، فتعرف أن الجيش الذي حارب كانت تنقصه الذخيرة أو الزاد وحتى الماء أو المعارف ، وكل ذلك نقص شديد في الإدارة ، إدارة الحروب . ثم تقرأ عن معاهدات السلم التي وقعت وتقرأ عن نقائصها وثغراتها وكل ذاك مرجعه نقص في إدارة مفاوضات السلام !..

وتقرأ عن فشل المؤسسات في تحقيق أهدافها الصناعية والخدمية والتعليمية والإعلامية ، وهو نقص أساسي في إدارة تلك المؤسسات من حيث البشر أو الموارد ، أو كليهما معا . وأن أكبر معوق لنجاح الإدارة في مؤسساتنا العربية هو عدم اعترافنا بأهمية دور هذه الإدارة ، وقد قيل : عندما تقلل من قدرات عدوك يهزمك . وقد قللنا من أهمية الإدارة حتى هزمتنا.”

يتحدث الكاتب أيضا عن أهمية الأهداف في حياة المرء، خصوصاً في بدايات حياته, لأن الأهداف التي تحفزك من أجل تحقيقها تحمل في طياتها السعادة لك, سعادة الإنجاز والقدرة على الفعل وترك الأثر. وبدون ذلك ستكون الحياة بلا طعم. فالمسألة في النجاح والسعادة ليست مسألة ضعف أو عدم قدرة إنما عدم وجود أهداف.

يحمل الكتاب الكثير من الأفكار فيما يتعلق بالقيادة, ويقول الكاتب أن 40% من وقت القائد يكون مخصصاً للاتصال بشبكته المقربة والبعيدة, موظفيه وعملائه, و30% من وقتهم في اتخاذ القرارات ومثلها في القيادة أو التأثير على الآخرين لتحقيق الأهداف. لذا فالقائد يقود التوجه بالت،اصل ويقوم به قبل وأمام الجميع ليقتدوا به. وعنده رأي يثير الجدل أن القادة يصنعون ولا يولدون قادة وفي هذا تبسيط في ظني حيث أن القيادة قد تكون لها عوامل أخرى مساعدة, وهنا أجدد الحديث عن فكرة أن علم الإدارة,. يتعلق بالبشر, والبشر لا يوجد شيء مطلق في تفسير تصرفاتهم وكذلك تكون الادارة.

ومن أهم ما ذكره في الكتاب هو فكرة تقول أن الناس ثلاث أصناف:

  • صنف يريد أن يعيش
  • صنف يريد أن يستفيد
  • وصنف يريد أن يُفيد

الأول من الكائنات الحية الأخرى, يأكل ويشرب وينام ويتناسل ثم يموت. والثاني تتركب في ذاته ومنظومة قيمه أهمية الفوز دائما ويجري الحسابات كل دقيقة حتى يحصي ربحه, فهو في معركة مع الحياة ومع الآخرين وفي منافسة شديدة, المصيبة أن هذا النوع يظن مع الوقت أن الدنيا هي الأساس وأنها باقية وينسى أنها لا تُبقي على أحد ولن يخرج منها إلا كما جاءها, خالي الكفين. أما الثالث فهو الصنف الذي يقول لنفسه كل دقيقة: ماذا أضيف للحياة؟ ماذا أفعل لنفسي وللناس كي نصبح أفضل؟ هذا الصنف يحب أن يجعل لحياته معنى وغايات أسمى من المادة, يحب أن يجعل الناس كلهم على هذه الطريقة وبالتالي هم يسعون في إسعاد أنفسهم بالعطاء ثم إسعاد الإنسانية بالأثر الباقي حتى بعد رحيلهم.

في الكتاب أيضا عرض لتلك المعضلة الشهيرة في حياة البشر. يكبر الانسان وفي البدايات يكون وقته كثير وصحته كافية ولكن ماله قليل, يزيد سعيه وطلبه للمال في سبيل أن يستمتع به, فيقل وقته وتبدأ تقل صحته, ثم ينتهي به الأمر شيخاً وقته طويل وماله وفير لكن لا صحة له. العبرة هنا في ظني ألا نركز فقط على الكسب الحالي بل ننظر الى الحياة بمنظور أوسع وأنها لا تقف من أجلنا ولا تنتظر, فيجب أن نتوازن.

هذا ما تيسر لي في التدوينة أن أذكره وتحياتي :)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s