مذكرات صافي .. الفصل الأول من رواية قد تكتمل !

مثلما يتسرب الالهام الى عقلي أو هو عندما تسرب الى عقلي، رأيت رقعة كُتبت فيها كلمات بحروف مهتزة، لكن معانيها عالية ومضيئة وثابتة، طويت الرقعة ونشرتها مراراً، حتى وأنا أكتب هذ المقدمة في هذه التدوينة، وقررت أن أنشرها كما قرأتها وانطبعت في روحي قبل عقلي، وأنقلها خوفاً من ضياعها، لا أدعي أهميتها لكن فيها سر شفيف أو شيد مدفون قد يخفى على كل شخص وقد يظهر له، تبدأ الرقعة بهذه الأسطر:

 اسمي سعيد, اسكن في حي الامل, عنواني بالضبط هو: شارع السرور، جادة التيسير، عمارة البركة، شقة رقم ٧. أتناول في اليوم ثلاث وجبات، فطوري النية الصالحة وغدائي الاخلاص وعشاي خفيف، رغيف من العفو وقطعة بيضاء من التسامح يناديني الأقربون بأبي سهل، والذي لا يعرفني من بعيد يدعوني أبو صافي. لا تتحمس كثيراً! أنت! يامن تقرأ هذه الرقعة، فليست حكايتي أنا عجيبة، إنما العجب هو فيما سأحكيه لك. الحكاية والعجب ليس مني، بل من صافي، ابني الذي ما أنجبته قط. صافي الصبي الهادئ البطيء المنقطع لنفسه. لازال في ميعة صباه، لا يفارقه قلمه ولا ورقته. يكتب أشياء لا أراها، يخفيها ولا يظهرها أبداً. صافي صبي طيب، لكنه غضوب جداً، يهتز البيت وجدرانه وشبابيكه من ارتعادة جسمه عندماً يستفزه الجو الحار أو ابن الجيران أو مسألة تافهة مثل مسألة نفاذ قلمه من الحبر. وهو بجانب سلوكه هذا يقرأ بلا انقطاع، يقرأ كل شيء تراه عينه، فلا يشيح بوجهه عن كلمة إلا قرأها، حاجته لالتهام الحرف لا تختلف عن حاجة أي كائن حي إلى الماء والهواء والشمس كي يعيش حياة طبيعية.  دعوني أتوقف عن الكتابة عن صافي قليلاً وأسترق غفوة صغيرة، سأدع القلم هنا فوق الورقة وأستلقي بجانبه. آه ما أدفأ الغطاء والفراش، ماهذا الذي أراه؟ كأني أرى القلم يتحرك؟! من تلقاء نفسه، ماذا!؟ لعلي أحلم؟

لا لا لست تحلم يا أبا صافي، أو دعني أقل أبا سهل، فلستُ من الأبعدين، أنا صافي، الفتى الذي لا تتوقف عن الكتابة والحديث عنه، مع أنني لست موجوداً إلا في خيالك، أنا صافي الذي يجدونه في رواياتك وحكايتك الغريبة كما تزعم للآخرين، لست في حال عجيبة، يا أيها القارئ، لست كما يروي أبوسهل، أنا صافي الصافي من الشوائب، أحب الكتابة والقراءة، والراحة والهدوء، فهل في هذا شيء غريب؟ كل بشر يهتم ويحب ويكره ويبغض، وقد يكون ما يكره اليوم هو ما يحبه غداً، هذا أنا قد أغضب وأرضى بسرعة من ذات الشيء، أنا إنسان أنسى وأتقلب وأتذكر، ولي مزاج كيميائي لا يقوى أي مختبر أن يحللني ويستكشف كنه تصرفاتي بدقة ويكتشفها بسهولة. فلم يصر أبوصافي أن أكون جزءاً من عمليات حسابية وأرقام لا تحتمل الجدل، يا جماعة الحياة مليئة باللون الرمادي، لا يوجد لون واحد نراه جميعاً، الحياة أعقد وأكثر وأعمق تفصيلاً مما نظن. هنا بدأت أشعر بالاستفزاز، مثلما كان يستفزني تقييم حصاد الطالب المسكين الذي يقضي ربع السنة أو نصفها في روتين دراسي ممل ثم يأتي تقييمه عبر قوالب جاهزة ومكررة ومسلوخة وبأسلوب ركيك، قوالب يسمونها اختبارات، تقضي لهذا بالنجاح لظروف معينة، ولذاك بعدمه لظروف أخرى، أسلوب قميء في تبسيط الأمور، تبسيط الظُلم إن صح التعبير. الحياة ليست اختبارات تأتيك في ورقة، بخيارات متعددة للاجابة أو حفظ وتعداد، الحياة قرارات، واختيارات، وتحمل للنتائج، أوسع بكثير من حدود ورقة “الأي فور” التي تضيع هباءً عندما يطبعون عليها اختباراً، ولو أنهم رسموا عليها لوحة أو أوقدوا فيها ناراً للتدفئة لكان خيراً لهم وأحسن عاقبة. يختبرون ويحاسبونك على الخطأ حساباً غليظاً، كأنهم لا يريدون أن يبقى على وجهة الأرض أي غلط، وأنَّى لهم ذلك، والصواب وسط بين خطئين، لكنه الانسان، يختار من الطرق أسهلها. أوه، يجب أن أنتبه، أبوسهل يتحرك في فراشه لعله سيستيقظ، ستوقظه جلبة أفكاري وضجة تأملاتي. قف أيها القلم، توقف عن الصرير والكتابة وإلا انتبه سيدك وحال بيني وبينك اللقاء مرة ثانية.

 آه، كانت غفوة  لطيفة، كأنني كنت أحلم بصافي، أشعر أن الجو حار، مالي وقد عرق جبيني، ثم ومالي أرتعد؟؟ حسناً أحتاج إلى تفقد صافي وأسأله عما حصل أمس بينه وبين ………. !؟

هنا تقف الجمل والكلمات في الرُقعة، لا أدري ما تتمتها ولربما أجدها يوماً ما؟ وربما لا. الحياة مليئة بالعجاب، نعم، وبالمناطق الرمادية  اللون، آه نسيت أن أقول لكم، الرقعة رمادية اللون.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s