الفتى الثاني: زيدُ الخير

زيد، إيه يا زيد، من أين يا تُرى أبدأ في التدوين عنك وفيك؟ أي بُني، عانقني الاحساس بك منذ زمن بعيد، زمن قرأت فيه السياب يقول تلك المقطوعة الساحرة وهو يخاطب ابنه هو، ابنه غَيلان، هل عرفتها؟ هذه هي:

ينساب صوتك في الظلام إليّ كالمطر الغضير

ينساب من خلل النعاس و أنت ترقد في السرير

من أي رؤيا جاء ؟

أي سماوة ؟

أي انطلاق

و أظل أسبح في رشاش منه أسبح في عبير

لنبدأ من تلك اليلة الكانونية الباردة الطويلة، الطويلة جداً، عندما فاض الكيل بي ونفذ صبري من الداخل وبت على ذلك الكرسي القصي أطرد بقية التوتر من جسدي وأتمدد قليلاً وأردد بيني وبين نفسي بصوت يسمعه من بجواري، ولا أحدٌ جواري، إنا نحن نزَّلنا عليك القرآن تنزيلاً، فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم أثماً أو كفوراً، واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً، ومن الليل فاسجد له وسبِّحه ليلاً طولاً، إن هولاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما طويلاً، حتى قاطعني ذلك الصوت المرح الشبابي، يبشدني بك، فحمدت الله واستبشرت.

كان اللقاء الأول بعدها بلحظات، ففتحت عيني عليك على أوسع مداها، وكان المضحك أنك كنت مغمض العينين تغشوك ارتباكات هذه الحياة وتجاربها عليك وتتغشاك أمانة بني آدم التي تحملها، فمن صبر ورضي فله الرضا، أتذكر أني مشيت معك بعدها خطوات طوالاً. حتى بلغت محلك. ومضت الليالي، وأمضي معها إليك. فلا أحاديث إلا زيد ولا أفكار إلا زيد.

أحرص جداً على تسجيل هذه الانطباعات المهمة قبل أن تضيع تفاصيلها، يوماً ما ستُقرأ هذه الذكريات من جديد وتنبعث المشاعر الجميلة من حولها كأنها -هذه الذكريات- تنبعث من جديد أو قد حدثت للتو. طيب، ماذا عن هذا الفتى، زيد، زيد الخير، منذ أن عرفتك وهذا هو اسمك عندي، أنت بطولك الذي قارب المتر، أراك دوماً مبتسم الثغر، طلق المُحياَّ غالب الوقت، إلا عندما ترتسم على قسمات وجهك علامات انهماكك في حالة تركيز شديد، فتمط السفتين وتغلق الفم ممعناً في حالة من الشرود التام هكذا هو، وبمجرد أن تناديه، منذ أن كان في مهده، التفت عليك، لا أدري هل أدرك اسمه مبكراً أم يلفته مصدر الصوت. ومن حكاياته أيضاً تلك الديانة التي هي فيه، فتعلم منذ نعومة أظفاره والتي لا تزال ناعمه، أن يستقبل نداء المسجد، برفع الأصبع الصغير، أصبع السبابة، ويقلب لسانه فلفظ يشبه الله أكبر، فلا يظهر منها إلا “أكبر”، وهنا أسجل أن أمك هي من قادتك لهذا وأرشدتك. ومع هذا أيضا يسيطر عليه خشوع مصطنع لا تملك معه إلا أن تقول ماشاء الله تبارك الله وتبتسم كثيراً. ويرتبط بالديانة رسوخ معنى الركوع والسجود بمرأى سجادة الصلاة بالقرب منه، فما أن يراها حتى يهرع إليها ويسجد ويركع بطريقته، ومن فرحه بلفت الانتباه يصفق ويضحك. يا إلهي، تقتلني هذه الحركة!

تنطوي الأيام، ويكبر مخزون اللغة، ومخزون الفضول، فهذا “عيي” -أي علي- وهذا بابا، وهذه “داداه” أي ساره، وتلك “نا نييه” أي دانه. ويبدي تأييده وإعجابه بتلك الكلمة التي بت أنا أستخدمها من بعده، أيااااه، وتفسيرها أيوووواه. بعد هذا وفوق كل هذا، يربكني قلقي عليه، انتبه لا تسقط، انتبه لا تكبر لقمة الساندويشة. انزل من على الطاولة. ويأبى إلا أن يستحوذ على كامل الاهتمام، فلا يسره شيء مثل أن يهجم على دولاب كتبي ويرمي كتباً يختارها على الأرض. ويستفزني فأتجهم بوجهي، فيهزمني من الداخل حتى يجبرني أن أضحك في وجهه. وتبطل حيلة تأديبه. انبهر ذات يوم بالبحر، عندما رآه وهو يعي ما يرى، فهو عنده “بحيي” بكسر الحاء، وعندما يلفت انتباه أي جسم مكور فينطلق لسانه: “كووووتي” أي نعم إنها كرتك. وعندما يعلن ملكية الأشياء فيقول: “حقي ماما” لا أدري ما علاقة الماما؟ لكنها حقي دوماً.

يستهويه الطرب، و”باعم” -قناة براعم التلفزيونية- والأيباد، ومقطع بيضة  شوكولاته كندر التي يعثر عليه بطريقة أقرب للخيال. التقليد وتجرب؛ الأشياء الجديدة ديدنه. يعشق الطيور، الكوكو كما يسميها بأنواعها، يلهمه الخروج الى الشارع والمشي في الطريق، وتلهب أحاسيسه فكرة السيارة، ويلتزم بامساك المقود بعد أن تقف السيارة في محلها. يطور بسرعه، فيتعامل مع الوضع الذي هو فيه بمنطقيه، اذا جادله طفل أكبر سناً منه، وهنا أعني فهد، فإنه يستسلم مختاراً طريق السلامة ويتحاشى فلا أدنى رغبة من التورط أكثر في صراع غير نتكافئ، لا سيما إذا كانت القضية لا حق له فيها، ألعب فهد ومكان فهد، ا شأني بذلك؟، لكنه يتصرف على عكسه إذا شعر بحقه. قد يجابه ويجادل إذا لم يتحصل مطلوبه له.

عنده أصدقاء، مثل ذاك دمدم الذي في الصورة أعلاه، ولولو التنين الذي في السيارة، والسيارات التي لا تنتهي. يعجبني خجله المتزن، لا يبكي من الغريب دائما، يمد يده بالسلام اذا جاء راغباً بالسلام. ويتعرف على لحظات الوداع فيشير “بالباي” ويرفع يده بالتحية كطريقة الضباط، ولعل هذه الأخيرة من تبعيات الفتى الآخر، فهد. وعندما يشير بالوداع من قريب ومن بعيد، ويقبل يده حتى يعلن عن قبلة من بعد. والأهم هو أن تشير إليه أن يُقبِّل فلان وفلان، فينطلق ويقترب من الهدف وتنطلق من شفتيه ذلك التعبير المدهش: آآآممماه.

الممرضات وقت التطعيم، والأجانب يقرأون اسمعه سعيد وسيد، وأضحك معهم، وأقول إنه زيد، يعني قروث، امبروفمنت، بروقرس. واسمه أحب الأسماء عندي بعد اسمي، كيف وأنني منذ أن كنت أكبره قليلاً كناني وناداني به أبي، وزيد هو جد أبي، وجدنا الأكبر، وأبو زيد هي كنية جدي علي رحمهم الله جميعاً وألحقنا بهم وجمعنا بهم في جنات النعيم، آمين. فأنا أبوزيد منذ الأزل. زيد بن علي، زيد الفتى وزيد الفتى الفتيِّ.

أعلم أنه من الصعب أن أتوقف عند حد في هذا التدوينة، لكنني أظنه أنه يكفي من القلادة ما أحاط بالعُنق، والأيام حُبلى ربما تزور أخي القارئ هذه المدونة وتجد أخبار خير جديدة عن زيد الخير، الفتى، لأن القوم إذا قالوا من فتى خلت أنهم يعنون زيداً، فمن عنده مثل ما عندي لزيد؟ لا أحد فيما أظن.

:*

Advertisements

5 Comments Add yours

  1. A.a.d كتب:

    يابابو زيد لقد دمعت عيناي وانا اقرأ ماكتبت عن زيد الله يحفظه لكم و يقر به عيونكم ويحيوا جميعاً حياة طيبه و يتوفانا مسلمين و يلحقنا بالصالحين في جنته .امين

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أرفع إلى مقامك هذا الكلام البسيط أدناه وأتشرف فيه بالرد على تعليقك الكريم:

      أستحضر كلاماً هناك كتبته من قبل، عندما رويت عن فهد الفتى الأول وحكاياته، حيث كتبت وقتها: الشجرة عندما تثمر وتنضج ثمارها, تلامس هذه الثمار الأرض بالقرب من الشجرة التي حملتها, لا تذهب بعيداً عنها, والبلد الطيب يخرج نباته طيباً بإذن الله تعالى. في كل لحظة, هذه الكائنات الصغيرة ذات العطر الطبيعي الجميل تفتح أعينها وتستوعب ما حولها, تتمسك بأول ما تراه وتطلب العون من أقرب القريبين لها, وبدورنا نمشي خطاً مشاها من قبلنا, فنعطي ونعطي ونعطي حتى تكبر الشجرة وتثمر وتزهر وبهذا تنمو تلك الغابة الخضراء الجميلة, وتشتبك بالغابة المجاورة, وهكذا تستمر الحياة, حتى يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها.

      وأضيف الآن أننا نعمل بجد وحرص على النتائج، ونسعى لتسجيل أثر طيب في الحياة، ونعمل ما يسعنا لتنمية كل شيء ييسره الله سبحانه لنا، لأن هذا هو استمرار ما فعل أبائي كلهم، زرعوا فحصدنا وأكلنا، ونزرع نحن ويحصد ويأكل من هم بعدنا، نربي كما رُبينا، ونحاول الإصلاح كما أصلح من قبلنا.

      ولا أنسى ما حييت كل التضحيات والصعوبات والتحديات التي خضتوها حتى تتوفر لنا الحياة الكريمة، وأذكر نفسي أننا نحن الآن نخوضها كي يحيا هؤلاء الفتيان حياة مثلها وأحسن منها.

      وأثني على دعائكم الكريم وأسأل الله سبحانه أن يحفظنا جميعا ويقرأعيننا برضاه عنا وأن نحيا جميعاً حياة طيبة وأن يتوفانا مسلمين و يلحقنا بالصالحين في جنته، آمين.

      وأعظمُ مجدي أنك لي أبٌ
      وأعظمُ فخري كان قولك هذا ابني

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s