قصة حُب من الرياض

Untitled

قرأت قصة هنا وأعجبت بها، سأحاول في هذه التدوينة إعادة كتابتها بتصرف. والقصة أصلها جاء باللغة المحكية، وفيها طرفة لفظية وفيها حبكة كما يقولون.

حكاية القصة هي أنه كان هناك فتىً  اسمه “عايش”، كان فتى وسيماً وصادقاً لكنه كان ضيق الحال، ولعايش ابنة عم اسمها “نورة”، ونورة، فتاة نجدية رقيقة الروح والقلب والجسد، عفيفة اللسان وثابتة القلب والعقل. نشأ عايش على رؤية نورة كل يوم وانقضت أيام طفولتهما معاً، فأحب عايش نورة وأحبت نورة عايش. وحانت اللحظة المناسبة فطلب عايش من عمه تزويجه بنورة. فلم يحصل على مراده وفاجأهُ رد عمِّه الذي قلل فيه من شأنه والمترفع فيه عن مصاهرة مثله، حتى يكون له مال ورزق وفير وحلال واسع منقطع النظير، حاول عايش اقناع عمه، لكن الرزق بيد الله يهبه لمن يشأ، فلم يشأ العم أن يقبل، ومع أنه ابن أخيه ومثل ابنه، كان رفضه قاطعاً إلا بتغير حال عايش. ضاقت الدنيا في عين عايش أكثر مما ضاقت عليه من قبل، وقرر في لحظات يأسه أن يرحل الى المجهول، وألا يعود إلا بما يحقق أمله من نورة. وقبل الرحيل، اجتمع بنورة وتعاهدا أن يبقى كل منهما للآخر إلى ماشاء الله ووعدها أن يجمع المال ليرضي عمه ويتزوجها. عند الفجر امتطى عايش راحلته مع أول قافلة شدت رحالها قاطعةً المفاوز باتجاه الشمال.

مرت السنون كأسرع ما تكون، وخاض عايش غمار الحياة، وصارع التجار، وخسر وربح، وأصابه التعب والنَصَب، حتى صار التاجر الذي كادت تنوء بحمل مفاتح خزائنه العصبة من الرجال. وباتت روحه تحدثه عن حلمه القديم الذي لم ينسه قط. حلمه ووعده بأن يعود الى نورة. وقد حان وقت القفول. ودقت ساعة العودة. لم يدر عايش المسكين الذي وقر هذا في قلبه أن يعود فيجدها أمامه ويحقق حلمهما معاً فلا شيء ينقصه، لم يدر أن نورة، التي أحبها والتي حافظ دوماً على عهدها له، ورفضت أن تكون لغيره على الرغم من محاولات أبيها وكثرة طالبيها، بعد أبت وأبت، عز وجودها! هذه أقدار الله سبحانه، وله حكمة بالغة. فقد حصل مالم يكن في حسبان الفتى.

حجت نورة في سنة مع أبيها وأختها. والحج مجهد ومتعب، يقضي المسافر الأشهر والأيام حتى يصل الى وجهته، والمشاعر تفيض بالبشر الذين جاءوا من كل فج عميق ليقضوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معدودات. وهاهم، نورة وأختها وأبيها ينتقلون من نسك الى نسك، حتى حان يوم العودة. فطافوا بالبيت طواف الوداع واجتمعت القافلة مؤذنة بالرحيل. وفي الطريق توفي الأب وابنته، أصابتهم الحُمَّى، وبقيت نورة، لا أنيس لها ولا حافظ إلا الله سبحانه. هي الشابة الصغيرة الغرة، فهيأ لها الله سبحانه ذاك الشيخ وامرأته العجوز، فكفلاها بعد أن تقطعت بها السبل وذهبوا بها الى قريتهم البعيدة.

انتهت رحلة عايش الطويلة في طلب العيش والرزق، لكنها لم تنتهِ آماله بالعودة إلى دياره ولقاء نوره والعيش معها بقية حياته، فعاد بمال تجارته الوفير إلى بلده ممنياً النفس بقاء نورة والارتباط بها لكن الأماني ذهبت مع خبر حج نورة مع أبويها وعدم عودتها الى بلادها. حار فكره المسكين، وقرر بسرعة ألا يقف عند حد حتى يصل إليها لقد كان فراقها أول مرة صعباً وهو الآن أصعب وأصعب فلم يلق عصاه بل غذ المسير نحو المجهول مرة أخرى بحثاً عنها. لكن أنَّى له أن يجدها، والله وحده يعلم أين استقر بها النوى؟ وتذكر الكثير عنه وعنها، تذكر سؤالها عنه وسؤاله عنها.

طفق عايش، الفتى المتعب، يطوف بالبلدان والقرى والمدن، يسألهم كالمجنون عن نوره، فلا يدري أحدهم من هو ومن هي نورة. يدخل الى البلدان ويذهب الى سيدها، سيد البلد، ويخبره بحاله وتجارته، ويعرض عليه وعلى أهل بلدته، سؤالاً، ومن أجابه على السؤال، كان له كل ثروته، سؤال بسيط رنان، يسألهم: أبسألك عن نور القمر، وشلون نوره؟. وكلما ألقى السؤال كان الإجابة تتطاير عليه بكل لون، أبيض، أصفر رمادي، برتقالي! فلا يجيبه أحد.

ودخل تلك القرية على حين غفلة من أهلها، وبعد أن استراح توجه الى ناديهم وسألهم، فلا مجيب، وكان من بين القوم ذاك الشيخ الذي أهمه الأمر، أغرته الثروة التي ساقها لهم عايش، وألح على أهله، زوجته العجوز وابنته الشابة في أن يأتوا ويشاهدوا هذا  التاجر الغريب المجنون الذي يعرض السؤال الغريب ومن يملك الإجابة موعود بكل الثروة. ابنته الشابة، هي نورة، نورة عايش! سمعت السؤال فلم يخطيء حدسها مقصد السؤال، قالت للشيخ، أعرف الجواب، فضحك واستمع منها. السؤال: أبسئلك عن نور القمر وش لون نوره؟ كان جوابها: مثل السمك في البحر وشلون عايش؟ جواب سؤال بسؤال، لكن السؤال فيه كل الإجابة، وشلون عايش.

سمع عايش الإجابة! وضحك كثيراً واستبشر، وشلون نوره؟ وشلون عايش؟، انتهى الأمر وجدها، وانتهت الثروة في يد من يستحقها، وعاشت نورة أجمل عيش وأهنأه في ظل عايش، وذلك إلى حين، والحمدلله رب العالمين.

Advertisements

3 Comments Add yours

  1. حبات المطر كتب:

    أعتقد أن هذه النسخة ستعجب رفيقاتي أكثر .. نهاية سعيدة وحلوة ..

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أشكركم وحياكم الله

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s