الأفكار الذكية للجماهير الغبية-قراءة في كتاب سيكولوجية الجماهير لجوستاف لوبون

قرأت هذه السنة كتاب المفكر والطبيب الفرنسي جوستاف لو بون (توفي في ١٩٣١) الموسوم بـ سيكولوجية الجماهير، أي علم نفس الجماهير أو علم النفس الجماعي، وهو يحاول أن يحلل وينظر في سلوكيات الجماهير عندما تتجمع وتتخذ قرارات معينة مثل أن تثور أو تقتل أو تعفو أو تعاقب أو تتحرر. ففي حين أن سيجموند فرويد يركز على علم نفس الفرد، فإن لو بون يركز على علم نفس الجماعات، الكتاب فيه من الأفكار والعلوم الكثيرة، بالتالي قررت في هذه التدوينة أن أسجل بعض الأفكار التي استطرفتها و وجدها جديرة بالتأمل خصوصاً فيما يخص طبائع الجماعات وتعاملها مع الأحداث والأفكار، فالانسان هو الانسان له طابع لا يتغير غالباً.

الجماهير الغبية ذات القرارات الذكية

في الكتاب يقول جوستاف أن الجماهير لا تستطيع اتخاذ قرارات ذكية مثلما يستطيع الفرد، حتى لو كانت الجماهير مكونة من أفراد بإمكانيات ذكاء عالية، فالقرارات التي يتخذها عدد من البشر من تخصصات عالية ومختلفة مجتمعين ليست متفوقة كثيراً على القرارات التي يتخذها تجمع من البلهاء، ذلك لأن الجماهير تجمع الصفات المتدنية عند الجميع، وبالمحصلة تنتج الجماهير التفاهة بدلا من الذكاء.

ويسترسل أكثر في هذه الفكرة فيحلل الفرد المنضوي تحت جماعة أو جمهور فيقول أنه -يعني هذا الفرد- بمجرد انضمامه لصفوف الجماهير فإنه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة، فهو عندما كان فرداً كان متعقلا مثقفاً، لكن الجماهير دوماً ما تحول أمثاله الى كائن تقوده غريزته ويصبح همجياً. وعندئذ يتصف بعفوية الكائنات البدائية وعنفها وضراوتها وحماستها وبطولتها، من هنا أظن أن الحديث هذا لا يعني ذم الجماعة بقدر ما أنه تسجيل لملاحظات دقيقة واقعية، ونحن نرى أن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ بالنار، لأن قرار الجماهير يأتي متوازناً محققاً لمصلحة الجميع وبالتالي فإنه يبدو بدائياً لأنه يحقق المصلحة العامة وليست المصلحة الفردية، وكذلك نحن نؤمن أن كل انسان ألزمه الله طائره في عنقه فهو يتحمل مسؤلية أفعاله فلا تزر وازرة وزر أخرى، ومن هنا فإن الجميع بين الفكرتين واقع وممكن.

يقول لوبون أن الجمهور عاطفي جداً، ليس عقلياً بالشكل الكافي، وذلك كما يكون الفرد عادة.

الأنظمة والزمن

وفي سياق فكرة أخرى يذكر لوبون أن الانسان له همَّان في هذه الحياة، يتمثل الأول في بناء التقاليد والأنظمة، ثم تدميرها ثانيا بعد استنفاد آثارها الايجابية، وبدون التقاليد والانظمة لا توجد حضارة بالطبع، ولن يوجد هناك تقدم كذلك، وبالطبع هناك صعوبة بين التحول والثبات، وهنا يكمن التحدي الكبير لكل أمة، فالتغيير من سنن الحياة والتغيير للأفضل من سنن الناجحين. وجدير بالتسجيل هنا هو ملاحظة لوبون الى أن الزمن هو الحل الحقيقي للمشاكل حيث أنه كفيل بإعادة التوازن بعد الثورات والانقلابات والدمار.

وفي فكرة لافتة كذلك يقول لوبون أن الدساتير وشكل الحكومة وخلافة يعتبره الكثيرون حول بداية الحل لزرع الأمان، وهذه فكرة أقرب للوهم حيث أن مثل هذه الأمور تستغرق وقتاً طويلاً حتى تصنع بعناية وهي أمور شكلية في الحقيقة لذلك من الحق والأهمية تبسيطها وعدم التكلف في صنعها والاحتفاء بها. وضرب أمثلة على داستير وحكومات اسبانيا في الحرب الأهلية وبين انجلترا الملكية التي تعتبر رجعية في نظر ثوار أوروبا.

التعليم

ثم يتحول الكتاب والكاتب الى انتقاد أنظمة التعليم، والتعليم الذي يقصده هو بالتحديد بذرة التعليم الذي نمارسه نحن الآن في بلداننا، وهذا ما شد انتباهي كثيراً، فيقول أن التعليم لا يجعل الانسان أكثر أخلاقية ولا أكثر سعادة، ولا يغير أهواءه وغرائزه وقد يؤدي الى نتائج ضارة جداً اذا طبق بشكل سيء، كآنه يقصد أن نصف المتعلم أسوأ من الجاهل، ويستدرك بالقول بأنه لا ننكر أن التعليم يرفع مهنية الشخص لكنه لا يرفع بالضرورة أخلاقه،وسبب هذه المشكلة تعود في رأيه أن الطالب وهو يتعلم يقوم بتكرار القديم دون أن يعمل عقله ويقول رأيه الشخصي بطريقة تجعل عقله يتفتح، يعني أن يستهلك فقط دون أن ينتجه، والاستهلاك كما نعلم يضغف الذهن ويجعله كلاً، أما الانتاج فهو يشحذ العقل والذكاء ويأتي بالخير. يعني أن المدرسة تهيئ الطالب للوظائف العامة، تهيئه الى أن يكون فرداً في هذه الجماهير.

وهناك إشارة ذهبية في كلامة تقول: أن الحكم الصائب والتجربة وحس المبادرة والطبع القوي تشكل شروطاً للنجاح في الحياة وهذه أشياء لا نجدها في الكتب بل في العمل والتجربة. حيث تتشكل الأفكار في وسطها الطبيعي الحسي وليس في قراءة الكتب، حيث يعمل الصبي في المشغل والمنجم وفي المحكمة وفي الورشة وفي المستشفى وفي المختبر. ويقول عن الطالب الفرنسي أنه محروم من الاتصالات الثمينة بالحياة في أهم فترات العمر وأخصبها، ومسجون بعيداً عن التجربة المباشرة والشخصية التي تعطي الفرد الفهم الدقيق والمنعش للأشياء وللبشر عن طريق التعامل معهم، أقول هنا لنتأمل طبع أطفال البادية وأطفال الحاضرة عند العرب ونرى اختلاف الشخصيات، التدجين لا يجلب الا الدوران في حلقة مفرغة.

قادة الجماهير

بعد الحدث عن الجماهير ينتقل للحديث عن محركي الجماهير، القادة، يقول أن الجماهير بشكل غريزي عندما تجتمع تضع لها قائدا وزعيماً، هذا القائد ليس رجل فكر، انما رجل ممارسة، يتحلى بالارادة القوية ولو لم يكن بعيد نظر او فطيناً، والقادة غالباً يسعوون وراء مصلحة شخصية، لأنهم لا يمتلكون قناعة قوية، القناعة القوية الموجودة لدى الرسل صلوات الله عليهم وسلامه. لذلك  فإن القادة يدغدغون مشاعر الجموع بكلمات عاطفية غير محددة المعنى، الحرية، العدالة، التنمية … بدون تعريف محدد متفق عليه من الجميع.

والحقيقة أن الشيء الذي يهيمن على الجماهير ليس الحرية، انما التقييد بنظام والالتزام بالطاعة لزعيم ما.

والأفكار كثيرة وجديرة بالتأمل في كتابات هذا المؤلف، وأختم فكرة ذكرها بالحواشي تتساءل عن مدى صحة ما يرد الينا عن معارك ومواجهات حدثت في تاريخ مضى ويذكر أنه أحيانا تكتب تقارير عن المعارك تصاغ مرات متعددة تفقدها مصداقيتها وحقيقة ما جرى. وبالتالي استحالة معرفة الحقيقة التي جرت اذا لم نرها بأعيننا.

Advertisements

One Comment اضافة لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s