في أكتوبر .. كنتُ في أبوظبي

أبوظبي مرة أخرى

من أجمل ما جادت به هذه السنة عليَّ هو أنني زرت أبوظبي مرتين، كانت المرتان جرعتان كافيتان تماماً لأقع في الحب. تحدث عن زيارتي الأولى في تدوينات سابقة، وأحب هنا في هذه التدوينة أن أتحدث عن زيارتي الثانية. في أكتوبر الماضي انعقد مؤتمر يتعلق بعملي،  وحرصت كثيراً أن أشارك به لارتباطه الوثيق بما أعمل عليه في الوظيفة، وكان سبب عقده في أبوظبي سبباً مشجعاً أكثر. زيارتي هذه المرة تختلف كثيراً عما اعتدته، أقصد عما اعتدته في سفري، غالباً ما أسافر وحيداً، لي خططي وتدابيري واختياراتي الصعبة والاستثنائية أحياناً، لهذا أتجنب أن أوقع أحدهم في فخ مرافقتي، لكن هذه المرة وافقت على استثناء، كان أحد زملاء العمل سعيداً بالسماع عن المؤتمر وزادت سعادته أكثر في أن يرافقني، تمنعت في أدب وعلى استحياء لكن اهتمامه بمرافقتني جعلني أغير عاداتي وخططي ذلك رغبة مني في كسر المألوف وتوسيع التجربة وتغيير الاختيارات، وليقيني بأن التجارب وتغيير الخيارات من حين لآخر له أنفع أثر، وهذا ما كان. يقولون كلما فكرت بفكرة، فكر بعكسها.

الخروج من منطقة الراحة:

مدة الزيارة كانت مختصرة، يومان للمؤتمر وثلاث أيام بعده لأنها وافقت إجازة نهاية الأسبوع، لم العجلة، هكذا اتفقنا على هذا  المخطط، قبل السفر لملمت أفكاري حول زيارة بعض الأماكن، وتجربة بعض الأشياء هنا وهناك. وألححت على زميلي في أن يستعد لذلك، اخترت السكن في فندقي القديم، ميريديان أبوظبي، وكان المؤتمر يعقد في فندق غير قريب، وكانت تجربة الانطلاق اليه كل صباح أمراً لطيفاً. سافرت هذه المرة على متن الخطوط السعودية، كانت الطائرة صغيرة جداً، أظنها من نوع اسمه امبارير، وما أن حطت في المطار حتى بدأت تتكشف وجوه كثير نعرفها من زملاء، كان المؤتمر جاذباً بحق لكل الزملاء في العمل، هذا أمر أسعدني ولم يسعدني كذلك، لا أحب خلط الأجواء، لكنني أعلل النفس بالتغيير ومحاولة توسيع الأفق. كان عنوان قراراتي في تلك الرحلة مصبوغاً بذلك المبدأ الذي يقول: اخرج من منطقة الراحة، لأنك ستنمو أكثر.

كانت هناك خطوط عريضة في أمر ذهابي إلى أبوظبي، نويت أن ألتقط صوراً كثيرة، العلاقة بين الكاميرا وبين السفر عندي لا تكاد تنفصل، أيضا اصطحبت حشداً من الكتب والمجلات التي تنتظر في طريقها الى الاستهلاك، جلبت دفتر الأفكار وأقلام الخط لمداعبة القلم قليلاً. وصلت أبوظبي عند المساء، استأجرنا سيارة، كانت من نوع لانسر ميتسوبيشي، وعلى ذكر السيارة، كنت وصاحبي نتندر على أساليب قيادة كلينا، يدعي أنني لا أراعي مشاعر السيارة إن صح التعبير، وأخالفه بأن السيارات صممت لأن تضغط على البنزين، وتحرك ناقل الحركة وتلف يمينا أو يساراً وهكذا. لعله يقصد أن أقوم بذلك بلطف، لكنني أؤكد أن السيارة صنعت لذلك، لا بأس بالأكشن قليلاً. كان المرة الأولى التي أسلك فيها الطريق من مطار أبوظبي الى داخل المدينة، بالطبع استعديت ببعض المعلومات والخرائط، وتبين أن هناك طرق متعددة من المطار شرقاً الى وسط المدينة غرباً. طريق المطار الذي يصل الى تفرعات طريق السلام، آل مكتوم والخليج العربي، كان طريق السلام مقصدنا باستمرار فهو يربط بين الفندق الذي فيه المؤتمر وبين النادي السياحي أو وسط المدينة، فيه تصليحات عند الاقتراب من المدينة لكنه لا يقارن من ناحية السلاسة بشوارع الرياض، وهذا أمر ناقشناه في أبوظبي كثيراً.

ماذا فعلت في أبوظبي؟

الفندق، أعرفه، وسكنت فيه قبل هذه المرة، كنت سعيداً بالعودة إليه، لكنني لا أظن العودة إليه للمرة الثالثة لاعتبارات عديدة، سأصل إليها، كان وقت الزيارة متنوعاً بين الخروج الى المؤتمر نهاراً والعودة قبيل العصر، كان المحتوى والترتيب والتنظم رائعاً، بعدها نتجول في أبوظبي مول القريب، استمتعت بأكثر من شيء، كانت لي زيارة لمحل خياطة الملابس هناك وحصلت على ثوبين رائعين، مكتبة بوردرز كذلك حانت لي فرصة التجول بها مرة أخرى، صاحبي يحب المقاهي والقهوة والشاي، بعض الهدايا من هنا وهناك، المطعم الجميل الذي أحبه في أبوظبي هو مصعم الصفدي، كان هناك فرع طيب بالخالدية، لذيذ ومرتب واحترافي على بساطته. قريباً منه على شارع النصر تقع مكتبة المطبوعات، وهي دار نشر لها بعض الاصدارات الطيبة مثل روايات باولو كويليو، بركة السباحة والشاطئ الخاص بالفندق كان له نصيب، كنت أستمتع كثيراً بالقراءة هناك والجو اللطيف. في بعض الأمسيات تناولنا الكرك وتجولنا عند ممشى اسمه القرم الشرقي، أشجار المنغروف، كنت أداعب صاحبي بتخيل أن يخرج من بين الأحراش نمر بنغالي مهاجر، وسرعان ما تدور دفة الحوار حول طرق التفكير والميزات بين كل واحد وهكذا.

الإفطار كان رتيباً هذه المرة، يجذبني ف الإفطار الغربي طبق البطاطس المهروسة والمقلية، هاش براون يسمونها، الأطباق الشرقية حمص ولبنة وفول، يجيدونها في مثل هذه الأماكن، أحب أيضا الطماطم المشوية وفوق طبقة الجبنة الذائبة، الخضروات والسلطة وبعض الفواكه الطازجة لا يستهويني السجق والمرتديلا والبيض، كذلك هناك خيارات غريبة من أرز  آسيوي وسوشي وغيره. القهوة أمر حتمي، قد يتبعها شاي إيرل جراي. بالطبع تصفح المجلة أو الكتاب المفضل، كثير من هذه الأنشطة كان ممكن أن أستمتع بها أكثر من مرة لولا مشاطرتي الرحلة مع الزميلا، أعرف أن لكل شيء محاسن ومساؤي وإن التجارب ضروربية، لعل الفائدة الكبيرة في المشاركة هي التعلم من الآخرين مهارات جديدة، وكذلك تقليل التكلفة المادية، وأحيانا تخفيف وطأة التغيير المفاجئ فيأتيك الدعم من هنا وهناك.

الاتصال بالانترنت هو أمر أتجنبه وقت السفر الا ما سنحت به الفرصة، لكن صاحبي يستصعب ذلك، كان يحرص على البحث عن مقهى بخدمة الاتصال هنا وهناك، الفندق لم يقدم لنا غرفة باتصال انترنت، الردهة فقط فيها المجال لذلك، وهو أمر مزعج ومشتت، كان تداخل العمل والوجوه بالرغبات والنشاطات الخاصة التي أريدها أمراً أربكني للمرة الأولى وسيسرني ألا أكرر مثل ذلك، لعل في الانتقال لحضور ورشة أو دورة فيه فرصة لتحرر من الروتين والمواضيع والأشخاص التي تراهم يومياً، لكن لا بأس. راق لي كثيراً أمران: مقهى تيم هورتن القريب جداً، سندويشاتهم رائعة، وقهوتهم كذلك، والهدوء والمكان، قضيت وقتاً لطيفاً ذات ظهيرة في القراءة والاستمتاع بمراقبة الآخرين، أبوظبي والمنطقة التي سكناها ضاخبة، لكن لا تقارن في ظني مع دبي. أحببت أبوظبي أكثر وسأحبها أكثر في قابل الأيام. عندي خطط لزيارة أشياء أخرى هناك ولعل أكتب عنها أيضاً. زرت مع زميلي جامع الشيخ زايد الكبير، أدهش بمحتواه وكان الغروب هناك أمراً استثنائياً، صلينا المغرب والعشاء هناك واقتربنا الضريح، وترحمنا على الشيخ زايد ولفت انتباهي وجود قارئ بجانب القبر يقرأ بمكبر صوت، ظننته أول الأمر قراءة مسجلة لكنها كانت قارئاً حقيقياً.

الليلة المربكة:

لعل أسجل أن نشاط القراءة كان أخف من السابق ذلك للارتباط بالزميل، بخلاف ذلك جرت الأمور بشكل طيب، لولا تلك الليلة الغريبة جداً، في الليلة قبل الأخيرة كنا في الغرفة في الفندق، وكانت الغرفة من الغرف ذات الباب المشترك، بالطبع مع الغرفة المجاورة، الباب مغلق ومقفول، لكنك لخلل ما، تسمع ما يدور هناك، كان الوقت شبه متأخر قريب من بعد منتصف الليل، بدأ الأمر بأصوات موسيقى وغناء، وأحاديث هنا وهناك، تحول الأمر إلى أن يكون أكثر إرباكاً، أتذكر مشاعرنا وقتها أننا لا نريد سوى أن ننام وننسى ذلك الأمر، لكنني لا أعرف مدى تجاوزي لهذا الأمر، الخلاصة كانت الحادثة دافعاً لتغيير المكان والفندق مستواه طيب على الرغم من كثرة الأجانب فيه واكتظاظه بعض الأوقات، هناك خيارات لطيفة أخرى، أحب الفنادق التي لها مسحة قدم، أعتبرها نوعاً من العراقة سمها ما تشاء، التغيير أمر حتمي. أفكر بفندق الشيراتون، ربما الميلينيوم، أو روتانا؟ لا أدري.

بالتأكيد سأعود وأكتب أكثر حول رحلات مقبلة، أمر استمتعت بالقيام به بعد الكتابة عن رحلاتي السابقة، بالطبع الأمر سيكون عفوياً مثلما أقوم بكتابته الآن، الصور كذلك وإرفاقها بالموضوع هو أمر ضروري ومن هنا أرفق بعض الصور أدناه من الرحلة، وكذلك رابط ملف الصور الكاملة للرحلة في حسابي على فليكر.

شاي كرك، لا أدري ما أصل التسمية، لكنه لذيذ، شاي بالحليب مع الهيل وأشياء أخرى
الإفطار، لذيذ :)
السيارة استأجرناها
إحدى رفيقات الرحلة
حديقة فندق الميريديان
من قرب مسرح أبوظبي
البيغل الدجاجي :)

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

:)

Advertisements

4 Comments اضافة لك

  1. ممتعةٌ حكاياتك انت و الأخ عبد الله المهيري abdulla79.blogspot عن السفر، و تجعل الواحد منا يتشجع للكتابة في أدب الرحلات و يوميات الأسفار.

    رزقكما الله تعالي العفو و العافية و الأسفار الماتعة ^_^

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلا يا أخي، متابعتك وتعليقك اللطيف أسعدني وشجعني، فكرة التدوين والكتابة هي أمر مفيد للروح والعقل، أرجو لك كل التوفيق.

      إعجاب

  2. أبو إياس كتب:

    أحياناً عندما يقرأ الواحد قصة سفر مكتوبة بتفاصيلها ومع الصور، يحس كأنه هو من سافر

    إعجاب

    1. علي كتب:

      كم يسعدني أن يتولد لديك شعور جميل كهذا بمجرد مرورك بكلماتي البسيطة شكراً يا أخي :)

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s