زيارتي لمدينة ينبع

سنحت لي فرصة زيارة أحد المدن التي سمعت عنها ولم أرها، المدينة هي ينبع التي تقع في غرب المملكة، هذه المدينة البسيطة الصغيرة اختيرت أن تكون احدى المدن الصناعية التي دشنتها المملكة في الثمانينات، تنقسم المدينة الى ثلاث أماكن متقاربة لكل منها خصائصها، ينبع النخل هي المدينة الداخلية التقليدية القديمة وهي ملئى -كما هو ظاهر من اسمها- بالنخل وهنالك ينبع البحر وهي المدين الأصلية، التي تغفو بيوتها القديمة وأزقتها المتقاربة على شاطئ البحر الأحمر ردحاً من الزمن قبل أن توقظها صوت معاول البناء التنموي التي لامست مكاناً قريباً منها هو ينبع الصناعية. في هذه التدوينة سأحاول أن أسافر معكم إلى هناك، نسافر إلى الرحلة الماضية، نسافر للماضي ربما، وسأحكي، كما اعتدت، بعفوية، عما دار هناك.

أحد أول الانطباعات التي تكونت في ذهني عن المدينة حتى قبل أن أصلها هو أنني سأزور مدينة صناعية تشبه مدينة الجبيل، والأخيرة تكررت زياراتي لها مؤخراً. قالوا أنهما مدينتان توأم، أو لعلها شقيقتان، ينبع هي الصُغرى. ثاني الانطباعات كانت عن المطار الصغير الأنيق المنتظم، مطار الأمير عبدالمحسن بن عبدالعزيز، ما توقعت أن يكون المطار بمثل هذه الجدة، الترتيب والنظافة ظاهرة، المطار جديد فعلاً ومرتب، وأدهشني أكثر أنه مطار داخلي إقليمي لكنه يستقبل رحلات دولية من ثلاث وجهات، دبي، تركيا ومصر. شيء يستحق الاشادة حقاً. الهبوط والمشي نحو بوابة المطار الخارجية كان أول ما فعلته في أمسية وصولي وترجلي من الطائرة، في ذهني أن أصل إلى أقرب سيارة أجرة وأنطلق الى الفندق الذي سأسكنه طوال خمس ليال، لكن المفاجأة اللطيفة أن حافلة الفندق كانت تنتظرني مع غيري من الركاب عند الباب، كانت لفتة طيبة.

كنت أفكر وأخطط بأن الفندق سيكون ذا امكانيات كبيرة، لم أتوقع أن يكون بسيطاً لتلك الدرجة، الحديقة لطيفة واللون الأخضر يثير الارتياح أينما ذهبت، هنالك بركة سباحة استمتعت بزيارتها مرة، اعتقدت أن للفندق شاطئاً خاص للسباحة، جودة الطعام ليست كما ظننت، غالباً كان الطبق الرئيسي بحري، والحساسية ضد هذا النوع يشعرني بالاضطراب، لكن البدائل الحمد لله موجودة، الفندق ليس بالقديم جداً، لكنه بسيط وحميمي، غرفه واسعة للغاية نسبياً، اجمالاً لا بأس به، ولعل التجربة تجعلني أشد حرصاً حيال الحجوزات القادمة، آه نسيت، سكنت في هذا المكان تحديداً لأن سبب زيارتي للمدينة له علاقة بالفندق، ونسيت أمراً آخر، وهو أن الفندق يقع على مفترق الطرق وبالتالي، هو في منطقة مقطوعة نوعاً ما، لا مطاعم أو مقاهي أم تموينات قريبة.

كانت المدة الطويلة للزيارة، والفندق البسط، والأمسيات الطويلة والشاي والقهوة وعصير البرتقال الطازج، كلها عوامل مساعدة في قصقصة حشائش الملل التي تنمو بسرعة في مكان مثل هذا، وبالطبع لا أنسى سلاحي الفتاك، القراءة. جلبت معي قرابة ثمان أعداد متراكمة من مجلة النيويوركر، رواية، وكتابين، أنهيت المجلة، وقرأت الرواية في يوم واحد، وأنهيت أحد الكتاب في رحلة الوصول الى ينبع، والآخر في رحلة العودة، بقي كتاب أخير لم أبدأ به ولم أنهه وهو تاريخ القراءة، لعلي أحتفظ به لأيام أجمل.

كانت لحظات الغروب مشوقة فعلاً، تنوعت مشاهداتي لهذه اللوحة الغروبية الجميلة من أماكن متعددة، من حديقة الفندق، ومن شاطئ البحر، الرطوبة كذلك تعتبر كائناً غير مألوف لشخص مثلي يعيش في مدينة جافة كالرياض، لم أتضايق تماماً منها، كانت مقبولة مع هبوب الهواء، أيضاً كان التكييف فعالاً في أجواء كهذه، لكنني رأيت أثرها على كتبي، وجدت أن الصفحات تجعدت بطريقة ملفتة، خفت عليها فاعتنيت بحملها وتصفحها، لكنني أيضاً أحب أن أرى أثر تصفحي وملاحظاتي على الكتب، هي تعني أن تفاعلت معه وعانقته أكثر من مرة ولثمت صفحاته بشوق ورغبة. مشاهدة التلفاز كذلك تستغرق من وقتي الكثير في السفر، خصوصاً أثناء تناول الطعام، أو شرب الشاي أو القهوة، أستمتع بتنوع القنوات في تلفاز الفندق، حيث يحرصون على القنوات التي تتحدث بلغات أجنبية أوروبية أو هندية، تدهشني إعلاناتهم التجارية وكذلك نشرات الأخبار وخلافة، أشعر أنها تفتح لك نافذة على البلد دون أن تتجشم عناء الانتقال الى هناك.

قلت أنني سبق أن قرأت أحد الكتب هناك في يوم واحد، كانت رواية رائعة وتطرح أفكاراً ملحة، خصوصاً بالنسبة لي وبالنسبة للشباب، المدارس الفكرية المتنوعة التي تنتاب شاباً في وسط الرياض في فترة الثمانينات، ونتائج أعمالها الآن، كان فيها توثيق مدهش للتجاذبات العقلية التي تعرض لها الفتى في الرواية، صحيح أنه أهمني التاريخ المذكور بالرواية لكنني انجذبت أكثر لفكرة التغير في الحياة، التغير سنة كونية، والانسان المتفائل المحب للحياة وللانتاج وترك البصمة لابد وأن يتغير للأفضل بعد كل مرحلة، قد يعصره الزمن وارهاصات الأفكار، لكنه سيجد طريقه الى أن يكون مؤثراً وقائداً وفاعلاً لا متأثراً ولا تابعاً ولا مفعولاً به. الرواية هي: تجربة فتى متطرف للدكتور محمد العوين.

مرت الأيام الخمسة برتابة، وحاولت أن أكسر الروتين بتغيير الطعام، طلبت من أحد المطاعم السريعة، كوني لا أملك سيارة هناك، ففاجأني بأنه لا يعرف الطريق الى فندقي، كون المطعم في المدينة الصناعية وأنا بالمدينة المجاورة، المسافة لا تتجاوز ٢٠ كيلومتراً ربما؟ لكنه لا يعرف الطريق. حاولت مع مطعم آخر وعرف المكان، المطعم الثاني مطعم بيتزا، لذلك ثق بي أن مطعم البيتزا بإمكانه العثور على أى مكان، وهذه تجربة. بعد هذه الليلة قررت استئجار سيارة للتجول هنا وهناك واستغلال اليومين الباقيين في الاستكشاف، مع أنني كنت قررت الاسترخاء التام في الفندق، لكن كما يقال ما حيلة المضطر الا ركوبها، وفعلاً تعاونت مع أحد المكاتب القريبة حيث جلب لي السيارة واستلمت المفتاح وانطلق الى الوجهة القريبة اللطيفة، مدية ينبع الصناعية.

المدينة الصناعية مخدومة أكثر، فيها مطاعم وسوق تجاري، حلاقون ومحلات تجارية ومستشفى ومستوصف، لكنها كأي مدينة مختصة بالعمل يهجرها أصحابها جميعهم الى مكة أو جدة أو المدينة، يهربون من جو العمل الممض في نهاية الأسبوع، نظام بناءها قياسي، تتشابه البيوت كلها تقريباً، التوأمة بينها وبين الجبيل ظاهرة تماماً، لكن ينبع تتميز بقليل من البساطة ربما، لعل ذلك يعود الى صغر الحجم واختلاف السكان والخلفيات التاريخية، أمسياتها صاخبة نوعاً ما، الشباب يملؤنها نشاطاً، لكنها تغفو بسرعة، أتذكر أنني وقفت عند اشارة مرورية، ولانشغالي بهاتفي، أضاء اللون الأخضر مرتين دون أنتبه أو ينبهني أحد، ذهبت في تلك الليلة الى مكان شهير عند أهل الغربية وهو مطعم البيك، يقدم الطعام المقلي من دجاج وجمبري، ويبهرني دوماً تهافت الناس اليه، تناولت مرتين وهذه هي المرة الثالثة، الازدحام فيه لا يقارن بغيره، لعل الدعاية والسعر المناسبة هو ما يجذب الكثيرين، بالاضافة الى سرعة الخدمة.

لفت انتباهي وأنا أقود السيارة أنني اعتمد كثيراً على حساس الرجوع الى الخلف، وهو موجود في سيارتي الشخصية بالرياض، ومنعدم في سيارة الايجار، اصطدمت بمن خلفي عدة مرات، ما أذهلني! والشاهد هنا كيف أن البشر تخبو حواسهم بالاعتماد على الآلات، قانون مور الذي يقول أن العناصر الالكترونية تتطور بمعدل متصاعد مما يبشر بجيل الآلات التي تقود البشر كما في الخيال العلمي، لذلك لا أزال مقتنعاً بأن الانسان لا يجب عليه أن يركن الى التقنية فيميل اليها كلياً، هنا سيقع مستسلماً لشيء يتضاءل معه عقله وفكره.

استغليت الوقت هناك في زيارة الحلاق، كذلك مررت بالشاطئ و ودعت قرص الشمس أكثر من مرة، تناولت الآيسكريم اللطيف، وتجولت بالسيارة وعلى الأقدام في شوارع وأسواق المدينة، شاهدت مصافي البترول المميزة، والمصانع المتداخلة، حيث يصل نفط المنطقة الشرقية من الشرق الى الغرب، خط بترول شرق غرب الفريد، يقطع قرابة الثلاثة آلاف كيلومتر. لطالما أدهشني مثل هذه المشاريع العملاقة.

كان سفري يوم الجمعة، وهو يوم أحب السفر فيه، وعودتي كانت الأربعاء وهو يوم أحب العودة فيه كذلك :)، أبرز ما أسجله بخصوص الزيارة هو أنني زرت مكاناً اسمه ينبع يقع في غرب المملكة العربية السعودية. وأقصى ما أرجوه أنك استمتعت معي أيها القارئ اللطيف في قراءة كلماتي البسيطة.

صور إضافية من صفحتي على فليكر: http://www.flickr.com/photos/rainsong/sets/72157631688950582/

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. غانم كتب:

    مرحبا علي،،
    تدوينة مشجعة لزيارة ينبع، وخصوصًا الهدوء اللي فيها.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلا يا أخي :)
      سعدت جداً باهتمامك
      وجميل أن يكون ما كتبت من كلام بسيط قد حفزك لمثل هذه الفكرة الطيبة، حياك الله وحفظك في ترحالك وحلك.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s