الانسان القارئ تصعب هزيمته

هذه المقولة التي استحوذت على عنوان هذه التدوينة سمعتها من ياسر حارب في برنامجه السهل المتتنع “ما قل ودل”، وتذكرتها قبل فترة بسيطة عندما رافقت أحد الزملاء في رحلة عمل. كان حوارنا كثيراً ما يدور على التقنية وكيف أنها استطاعت فرض سيطرتها وأحكمت قدرتها على ألباب الناس واهتمامهم، فلا ترى أحدهم إلا والهاتف الذكي لا يفارقه، ويحتاج الى البحث عن شبكة انترنت أينما حل وارتحل، والمزامنة للملفات في دروب بوكس لا تتوقف، كانت حواراتنا كذلك تنصب في المقارنة بين الورق والورق الرقمي. شاشة أم صفحة؟

كان يتعصب بشدة لقضية عدم الطباعة لأي مستند، أعني أنه يقول لا يجب طباعة أي ورقة في عصرنا الحالي، تتصدر قصة الحفاظ على البيئة سلسلة حججه، أوافقه نوعاً ما، وأتحفظ -معه- على ممارسات الكثير من الحمقى الذين يلهب أحاسيسهم فكرة الضغط على زر الطباعة ولو كان المستند كاتلوج أثاث أومواصفات خلاطات طعام وذلك باستخدام الطابعة التي في مكان العمل، وهذه أمثلة واقعية رأيتها وعايشتها، وهذا الأمر مضحك لكنه أمر آخر يجدر إفراد الحديث عنه، ربما في مناسبة قريبة أو بعيدة. أعود لصاحبي، الرجل يستغرب مني كل تلك الكتب والمجلات التي جئت بها في تلك الرحلة، كنت أستعرض معه الكتب وهو يستغرب؟! يقول: كيف لك أن تقرأ كل هذا؟. لا يعلم أن بضع ورقات وقت الانتظار وتقليب كتاب أثناء الافطار، أو على بركة السباحة يستطيع بها المرء أن يهزم أعتى وأقسى جيوش الملل سطوة، الملل يفتك بصاحبي وأمثاله عندما يفقد الاتصال، ينتابه الخوف والمفاجأة عندما يعلم أنني أغلق هاتفي بعض أحيان، نعم، صاحبي هذا لا يستطيع البقاء بدون اتصال، وهناك شيء آخر اكتشفته فيه، يستطيع أن يتحدث بالهاتف لمدة ساعة، أو ساعة الا ربع، بسهولة، يا إلهي، لماذا؟ يده ستؤلمه على الأقل. التقنية الحديثة تغري الكثيرين بالبقاء على اتصال، لكنها تغريهم أكثر في الانفصال عن ذواتهم، أعرف أن المرء عندما يمسك بكتاب ويقرأ الكلمات والجمل ويترجمها بعقله إلى صور وأخيلة فإنه ينفصل عمن حوله، لكنه يتصل بشكل وثيق بنفسه، ويقلب روحه على أوجهها، ويفتح أخاديد جديدة في عقلة وذهنه وتلافيف مخة وتشعبات دماغه، فيشع النور في داخله ثم يضيء ما حوله. على صعيد موضوع الانجاز بالقراءة، يلهمني ويصنع فارقاً في يومي، أن أكمل قراءة كتاب في أمسية، وهذا يعني أن يتاح الوقت أكثر لي لقراءة كتاب يليه، هو – أعني صاحبي- فإن الانجاز يعني أن يكون هاتفه مشحوناً بالطاقة، ومتخماً بالروابط التي سيقرأ المواضيع التي تحملها، التطبيقات التي لا تنتهي، هذا لتسجيل المهام وذاك للسفر والآخر للتصوير، ونسي صاحبنا القلم والحبر وصوت الصرير على الورق. كثراً ما أتندر عليه إذا فاته أمر ما، لم لا تقوم بمزامنة  كل شيء مع كل شيء؟ لن تنسى! فنضحك وأكمل له بأن حياته قاب قوسين من أن تكون افتراضية، وأختم تدوينتي هذه بمفارقة لطيفة وهي أنني أرسل كلاماتي هذه عبر الكيبورد الى شاشة الحاسب وعلى مدونتي، فأشابه صاحبي قليلاً أو كثيراً، لكن لعل الفارق أنني أحاول أن أعي وهو يحاول ألا ينسى الشاحن بعد اليوم ولا يهمه أن يعي لماذا أو هل يهم ذلك.

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. فريال كتب:

    أتفقك معك، الأوراق تلغي الحواجز بين القارئ والكلمات. لا أعرف ان كانت هناك حقيقة علمية خلف ذلك، ولكن حينما اقراءة شيئا من على شاشة الحاسب اجد صعوبة كبيرة في التفكير فيه او حتى تذكرة في وقت لاحق. ولكن مع الأوراق يصلح ملمس الورقة ورائحة الطباعة وشكل الكتاب من حجم ولون جزء من تجربة قراءته.

    التقنية قربتنا من الأشياء ماديا ولكنها بالتأكيد فصلت بين أروحهها..
    يا حبذا حبيب قريب بعيد بدلا من صوت بلا صورة.

    إعجاب

  2. علي كتب:

    أهلا دكتورة، ذلك الحاجز الشفاف، يقف حائلاً وسداً منيعاً أمام الكلمات، يغرونني بأن أيباد واحد أو كندل بأقل مواصفات قادر على حمل ألف كتابو يخف الوزن عليكو نعم لكن روحي تغدو ثقيلة عندما يسلب منها شحن البطارية الذي سينفد بعد دقائق، وكتابي الورقي يبقى الى الأبد، تقريباً. لعلي أقرب الفكرة التي أعنيها في الفرق بين الشاشة والورق، هو أن الشاشة مثل الورد البلاستيكي، والكتاب هو شجرة مثمرة بين يدينا. أخيراً، شكراً دكتورة على العودة الى مدونتي البسيطة.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s