استعراض كتاب: المؤمن الصادق

في مطلع هذه السنة, سنة 2011م وتحديداً في 1 يناير 2011م كنت أنقل خطواتي في وسط مكتبة العبيكان. وعندما هممت بالمغادرة, رأيت كتاب المؤمن الصادق, هذا الكتاب مؤلفه مفكر أمريكي اسمه إيريك هوفر (قصته مثيرة للاهتمام وسأتحدث عنها لاحقاً) قام بتأليفه في منتصف القرن الماضي, وقام بترجمته الراحل غازي القصيبي رحمه الله.

سمعت بالكتاب العام الماضي وحاولت الحصول عليه والبحث عنه دونما نتيجة, لذا سعدت بفرصة اقتناصه وقراءته وذلك لأني أهتم كثيراً بأراء القصيبي رحمه الله. الكتاب -عموماً- ينتمي للكتب التي تدور حول علم النفس الاجتماعي, يركز فيه على الفرد والمجتمع وعلاقتهما. ببعضهما واسمه بالانجليزية (True Believer), والكتاب بنسخته العربية يحمل العنوان العريض (المؤمن الصادق) وأسفل منه شرح للعنوان يقول: أفكار حول طريقة الحركات الجماهيرية. ومن العنوان وبعد القراءة أقول أن الكتاب ملئ بالأفكار والأراء والنظريات ويبعث على التساؤل والتفكير, حيث يقول المؤلف أن “كل ما أقوله هنا هو من قبيل النقاس, لا النصح. وما كنت لأتكلم بهذه الجرأة لو كنت متأكداً أن كلامي سيؤخذ على علاته“, ويقول في مكان آخر” على أننا لا ندعي أن هذا كتاب أكاديمي موثق. هذا الكتاب على العكس, يحتوي على أفكار, مجرد أفكار” لذا فإن الأفكار ستنتقل بينك وبين الكتاب بشكل كبير, وستشعر بعد قراءة بعض الفقرات للحاجة إلى الوقوف قليلاً والتأمل فيك وفي مجتمعك وفي العلاقة بينكما.

من جانب آخر, فإن القصيبي رحمه الله اهتم بالكتاب وترجمه لأنه يرى في أفكار الكتاب أجوبة للسؤال الذي يقول: لماذا يصبح الإرهابي .. إرهابياً؟ والجواب هو بسبب الإحباط وفي اعتقاد القصيبي أن الحل لمشكلة الإرهاب يتلخص في إزالة الإحباط من النفوس, وبالتالي إزالة التطرف, وبالتالي القضاء على الإرهاب. ويدعو دعوتين من خلال ترجمته هذه وهي أن الباحثين يجدر بهم مطابقة محتوى الكتاب مع الإرهاب كحالة, والدعوة الثانية  للحكومات كي تملأ البلدان بالفرص والأنشطة والانتاج والانجاز الذي يقضي على الإحباط أو جزء كبير منه.

من المثير أنني بدأت قرأت الكتاب وأنهيته “مصادفة” مع أحداث جسام يشهدها عالمنا العربي, بدءاً من تونس, ثم مصر وليبيا, أحسن الله تعالى الختام لجميع المسلمين. من المثير كذلك هو تلك الروح القصيبية التي لم تفارق حتى الترجمة, فتجد ذلك الحشد الثقافي والترجمات في الهوامش كما جرت العادة في كثير من كتب القصيبي رحمه الله.

هنا أحب أن أقتبس بعض الاقتباسات من الكتاب مع بعض التصرف البسيط في بعضها:

  • كلما استحال على الانسان أن يدعي التفوق لنفسه, كلما سهل عليه أن يدعي التفوق لأمته, أو دينه أو لعرقه, أو لقضيته المقدسة.
  • ينزع الرجل الى الاهتمام بشؤونه الخاصة, عندما تكون جديرة بالاهتمام. أما عندما لا تكون لديه شؤون خاصة حقيقة, فإنه ينزع إلى نسيان شؤونه التي فقدت معناها والاهتمام بشؤون الآخرين الخاصة. يعبر هذا الاهتمام عن نفسه بالغيبة والتجسس والفضول, كما أنه يتجه إلى اهتمام غير طبيعي بالشؤون المجتمعية والقومية والعرقية. إننا عندما نهرب من أنفسنا نلقي بثقلنا على عاتق جارنا, أو نطبق على عنقه.
  • إن اعتقادنا أن لدينا واجباً مقدساً إزاء الآخرين كثيراً ما يكون طوق النجاة, الذي نحاول بواسطته إنقاذ أنفسنا من الغرق. وعندما نمد يدما محو الآخر فنحن, في حقيقة الأمر, نبحث عن يد تنتشلنا. عندما تشغلنا واجباتنا المقدّسة نهمل حياتنا ونتركها خاوية بلا معنى. ولا شك في أننا عندما نستبدل بأنفسنا المنكفئة على ذاتها حياة بعيدة عن الأنانية نكون قد حققنا قدراً كبيراً من احترام الذات. إن غرور منكري الذات, حتى عندما يظهرون بمظهر التواضع, لا حدود له.
  • إن إحباطنا عندما نملك الكثير, ونريد المزيد يفوق إحباطنا عندما لا نملك شيئاً ونريد القليل. ونحن أقل تذمراً حين نفقد أشياء كثيرة منا, حين لا نفقد إلا شيئاً واحداً.
  • نحن لا نغامر في سبيل الحصول على الكماليات أكثر مما نغامر لكي نحصل على الضروريات. وكثيراً ما يحدث أننا عندما نتخلّى عن الكماليات نجد أنفسنا, وقد فقدنا الرغبة في الضروريات.
  • العبور من الحرب الى السلام أخطر على النظام القائم من العبور من السلام الى الحرب. أقول: لأن أجواء الحرب والسلام تختلف وليس من السهل التأقلم مع السلام بالنسبة لشخص اعتاد روتين الحرب, لذا سيكون الاضطراب هو السائد.
  • إننا لا نشعر بالرضا عندما نحقق الشيء الذي لا نريده, وأننا نجري أسرع ما نجري, عندما نهرب من أنفسنا.
  • الجيش هو أداة لحفظ النظام أو أداة للتوسع.
  • تبدأ الثورة برجال الكلمة (المثقفين والأدباء), ثم يقفز إلى الساحة المتطرفون (المحبطون) فتشيع الفوضى ويندم الجميع على ما حدث, ثم لا يلبث الوضع أن يهدأ على أيدي رجال عمليين (أطباء, أكاديميين, علماء, رجال أعمال, مهندسين ..).

قبل ان اختم أعود لما وعدت به سابقا وهو الحديث قليلا عن المؤلف الأصلي: اريك هوفر هو كاتب أمريكي متخصص بعلم الاجتماع  وهو فيلسوف كذلك (21 مايو  1983 – 25 يوليو 1902). أنتج عشرة كتب وحصل على الوسام الرئاسي للحرية في فبراير 1983. تم الاعتراف على نطاق واسع بكتابه الأول، وهو المؤمن الصادق، الذي نشر في 1951، وتلقى اشادة من النقاد على حد سواء من العلماء والناس العاديين، على الرغم من هوفر يعتقد ان كتابه محنة التغيير كان أفضل أعماله. وفي 2001، أنشئت جائزة اريك هوفر تكريما له مع الإذن الممنوح من مؤسسة اريك هوفر. ولد في نيويورك من والدين يتحدران من من منطقة الألزاس شرق فرنسا على حدود ألمانيا, و والده كان نجاراً يصنع الأثاث الفاخر, نظراً لأصله فقد نشأ وهو يستطيع القراءة بالانجليزية والالمانية, ونشأ قارئاً شرهاً جداً. عندما كبر عمل في وظائف غريبة كثيرة: بائعاً للبرتقال, وحاول الالتحاق بالعسكرية, عمل أيضا كعامل تحميل على الميناء يفرغ السفن من البضائع. ذاع صيت كتابه  الذي تناولته بالتدوينة عندما استشهد به الرئيس الامريكي دوايت آيزنهاور في التلفزيون.

وهنا أصل إلى ختام هذه التدوينة التي حركت بها أجواء مدونتي البسيطة :)

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. كمال الشهابي كتب:

    أخي الكريم علي السلام عليكم و رحمة الله
    أنوي كتابة مقال عن أفكار كتاب المؤمن الصادق و استأذنك في اقتباس التعريف بـ إيريك هوفر والتي يبدأ بـ “قبل أن أختم” حتة نهاية الفقرة.
    الرجاء الرد بالموافقة أو بالرفض حيث أن علي إرسال المقال للصحيفة اليوم الثلاثاء 3 مايو الرابعة عصراً.
    شكرا مقدماً

    إعجاب

  2. علي كتب:

    أهلا بك أخي الكريم :)

    متأسف لتأخري بالرد, وعلى أية حال فإنني أسعد جداً بإتاحة محتوى هذه المدونة للجميع, حتى تنتشر المعرفة والثقافة في كل مكان, وما أنا هنا في هذه المدونة إلا لأترك أثراً أرجو أن يمتد لأبعد مدى ناشراً الخير في كل مكان بوفيق وهداية من الله تعالى.

    أجدد اعتذاري وأرجو لك التوفيق دوماً, وبإمكانك الاقتباس من أي تدوينة :)

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s