رواية الوارفة لـ أميمة الخميس

أظن بعد قراءتي وإطلاعي على العديد من القصص والروايات لا سيما العربية, أنها وسيلة من وسائل توثيق التاريخ والاحداث ومعالم المدن وربما لمحات عن شخصية ما, لذلك كان كثيراً يعمم على رواية ما من الروايات أنها سيرة ذاتية لكاتبها نظراً لاتصالها بالواقع بشكل كبير يداعب مخيلة القراء, وهو أمر يتفق معه أو لا يتفق معه – في نفس الوقت -الكاتب وغيره من القراء والمتابعين. ويشدد الكثيرون -من الكتاب والقراء- على أن الروايات يجب أن تكون حيادية تماماً في وصف الأحداث, فتنقلها كما هي, فلا تحسين ولا تذويق ولا تحوير, وهذا الأمر تحديداً مثار جدل كبير لأن نظرة كل شخص للبيئة التي من حولة تختلف عن أي شخص آخر, فلكل شخص عقل له تجارب وخبرات وتصورات ومعتقدات وأفكار تختلف عن الآخر, الأختلاف أمر أكيد لذا يجب أن نسعى لأن نكون متكاملين وليس متشابهين. من هذه المنطلقات أستمتع بقراءة الروايات, وبالذات عندما يشدني ما توثقه وتتحدث عنه من تجارب.

غلاف رواية الوارفة أميمة الخميس
رواية الوارفة, أميمة الخميس

باكورة اختياراتي من الكتب هذه السنة رواية الوارفة للكاتبة أميمة الخميس, وهي من منشورات دار المدى, صدرت في طبعتها الأولى سنة 2008 وتقع في قرابة الثلاثمائة صفحة تقريبا. ولقد قرأت الرواية في وقت قصير, ونجحت حقيقة في جذبي إليها بشكل كبير, وعرفت من خلال استمتاعي بتقليب صفحاتها أنها من الكتب التي أسجلها ككتب مفضلة عندي, بخلاف الكتب الأخرى التي قد يتعبني مسايرتها ومحاولة انهاءهاً باصطحابها معي في كل مكان ليتسنى لي قضم أوراقها وانهاءها متى ما تيسرت لي ذلك. الرواية تدور حول رحلة شخصيتها الرئيسية “الطبيبة الجوهرة” من طفولتها حتى عملها كطبيبة في تخصص الغدد. تنطلق الرواية دوماً من وصف “الجوهرة” وسردها لأحداث حياتها, حيث تدور الأحداث بين حي عليشة في غرب الرياض وبين مستشفى في شرقها حيث تعمل في فترة الثمانينات بالإضافة إلى تجربتها في خوض التدريب في كندا. أعجبني كثيراً تفاعل شخصية الرواية مع من حولها من أشخاص, وكيف أنها توظف رؤيتهم وأحاديثهم وأحاسيسها حول تلك الأحاديث في فهم ما تحس به وتشعر به تجاه ما حولها, كعلاقتها بأبيها وأمها ومن ثم زوجة أبيها وأختيها وأخويها وزملائها في المستشفى من الذكور والإناث, ومن الأشياء التي تبلغ ذروتها في كثير من أجزاء الرواية هو مسألة الزواج, حيث تتحدث عن تجربتها معه كعازبة ثم زوجة ثم مطلقة وتعاملها مع من حولها على هذا الأساس.

هناك أمر مثير في الشخصية الرئيسية وشدني كثيراً عند قراءتها, والأمر هو أن الشخصية الرئيسية تستطيع أن ترى ما أسمته بالقرين لكل شخص أمامها تقريبا, ويظهر القرين تارة على شكل نخلة خضراء باسقة تذوي وتضعف عندما يمرض صاحبها, وترى قرين بعضهم كنافورة ومتفجرة تصدح بالألوان, وترى بعضهم كالشجرة المثمرة … وهو أمر استمتعت في متابعته والإحساس به وكأنني أتخيله أمامي على شاشة عرض وليس على صفحات رواية, فلقد أضاف فكرة جميلة للرواية. والأمر المثير الآخر هو بلاغة الكاتبة في استخدام التعابير اللغوية والتشبيهات, كأن تشبه تزجية الوقت في وقت الصيف الطويل بتقطيع أفعى الصيف, وتشبيهها لأختها بالسفينة المحتجزة داخل قارورة تظن أنها تبحر وهي ما لبثت في مكانها, وكيف أنها تكنّي عن متاعب العمل بالعجن والخبز فتقول أنها لن تدع النهار يعجنها بل ستخبزنه وتنهيه بنتيجة مثمرة, وغير ذلك من الصور الكثيرة المثيرة.

حتى هذا الوقت من السنة, أظنني أستطيع القول بأن هذه الرواية من بين أجمل ما قرأت من روايات واستمتعت كثيراً بقراءتها, وكنت أرتقب الوقت طوال أسبوع تقريبا حتى أعود إلى سريري قبل النوم وأتناولها وأقرأ منها ما يتيسر. وأحب أن أختم هذا الاستعراض العفوي جداً والبسيط حول الرواية فاقتباس من الرواية أجده جميلاً:

1

في المستشفى { تتمنى أن تجد أخصائية العلاج الطبيعي “أدريان” داخل الجناح, عندما تلتقي بها تشعر بأنها مرت تحت شجرة تفاح, دوما لديها العديد من القصص والحكايا المشغولة بالذكريات عن مكابدة الذات والأنا, ومعارج الروح في نضالها ضد الجسد, وتحويل الإدراك الشخصي للعالم بشكل إيجابي, دائما لدى “أدريان” أفكار مشبعة بتوابل الفلسفات الشرقية المطعمة بإرادة القوة الغربية, “إدريان” المنضبطة والمقدسة للعمل دائما خطواتها في ممرات المستشفى واسعة ثابتة.

شجرة تفاح لا تستطيع المكوث تحتها وحولها طويلاً فستبدأ عندها “أدريان” النيوزلندية مدربة العلاج الطبيعي بإعادة الأحاديث وتكرارها ولكن المرور تحت أوراقها صباحاً يعطر النهار.

تستعيد قصص جدتها في “نيوزيلندا”, جدتها العجيبة التي كان الصباح يبقى على حدود نافذتها لا تأذن له بالدخول إلى غرفة نومها قبل أن تقطع رغيف الخبز الذي دسّته تحت مخدتها طوال الليل إلى قطع صغيرة, تلقمها للعصافير والطيور على الشرفة, وحينما تتخطفه الطيور وتغادر تعلم عندها أ كوابيسها التي تشربها الرغيف مضت وأنها ستقضي يومها دون أثر انعكاس للكوابيس الليلية على رونق نهارها …}

2

في الجولة الصباحية على المرضى مع الاستشاري { تشعر “الجوهرة” أنها حينما تتحدث بانقطاع ما بين جيشانها وعواصفها الداخلية أن كلماتها وتعبيراتها تتفلت منها, تشعر بالتشتت والعجز عن نظمها حبات متوالية في خيط التعبير باللغة النجليزية يجعلها كأنها تستجلب المياه من آبار سحيقة فلا يصعد لها سوى ماء شحيح عكر.}

هنا أنتهي من الاقتباسات التي أعجبتني, وهي كثيرة وجميلة جداً, وأنتهي من استعراضي للرواية الجميلة أيضا, تقديري لك متابع مدونتي, ومرحباً بك دوماً وأبداً :)

Advertisements

5 Comments Add yours

  1. همتي عاليه كتب:

    الله .. عرض شيق جدا

    شدتني كثيرا تلك الاقتباسات

    شكر جزيل لك اخي علي

    إعجاب

  2. علي كتب:

    همتي عالية :)

    مرحباً وأهلا, سعيد جداً بكلامك اللطيف وتشجيعك الكريم.

    بالتوفيق.

    إعجاب

  3. اقتنيتها من معرض الكتاب بعد مجهود في البحث عنها..
    في الحقيقة للاسف لم استطع استساغة انها اشبه بالعامية وايضا اشبه بانها سواليف لاانكر انها تستحق الترشيح ..لكن لم ترقى الى ذائقتي المتواضعة ..
    وبعد عرضك هنا سااعاود اكمال ماتبقى في وقت الفراغ..
    ليست الا وجهة نظر..
    وبالتوفيق للاستاذة اميمة الخميس..
    شكرا لك ..

    إعجاب

  4. علي كتب:

    أهلا بك أختنا :)

    أبدأ بالمتوقّع: فلولا اختلاف الأذواق لما أصبح هناك سوق رائج للبرتقال, وللموز أو للجوافة (التي لا أميل إلهيا بالمناسبة :) ), بالمقابل أجدد تسجيلي لأسباب اهتمامي بها: كانت اللغة مميزة والألفاظ والتصاوير جميلة, ثم أن مظلة السلوكيات والتوجهات ضمن شحصيات الرواية راقية وعالية مقارنة بروايات أخرى, فيها أيضا واقعية كبيرة في تصوير الرياض في تلك الحقبة …

    الجميل أنه بعد اطلاعك على الاستعراض البسيط, قررت العودة إليها واستكمالها. هذا أمر أسعدني كثيراً :)

    شكراً لك اختنا وبالتوفيق للجميع :)

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s