أجواء إيجابية

أبدأ هذه التدوينة برشفات من الشاي الأحمر المنعش والممزوج بحبات السكر النقيّة وشذى النعناع المبهج, لعل تلك الرشفات أن تراوغ الهجمة البرد المفاجئة هذه الأيام, وتصل بنا إلى مرافئ الشعور بالدفء والاسترخاء.

بعد هذه البداية الطيبة, أعود إلى أمر أطيب وهو مواسم الخير العميم التي تمر بنا. لنلق نظرة على تسلسل الأيام الماضية, كنا في  أيام مضت قد بلغنا رمضان الشهر الكريم, بعدها عيد الفطر السعيد ومن ثم الحج و عيد الأضحى  والأضاحي وصيام يوم عرفة, والآن نبدأ سنتنا بصيام يوم عاشوراء, مواسم عظيمة وطيبة يجدر بالانسان استغلالها, والله عز وجل نسأل ان يتقبل من الجميع.

ومنذ عشرة أيام , يعاني إخوتنا الضعفاء في فلسطين من الضعف والشدة الكثير. وندعو الله أن يخفف عنهم ويربط على قلوبهم وينصر الاسلام بهم, ويردنا الله وإياهم رداً جميلاً .. آمين.

***

أحرص كثيراً على الاجواء الايجابية, من أبرزها حضور الدورات السريعة والبسيطة في تجهيزاتها لكن العميقة والمؤثرة والمباركة  – بتسهيل الله عز وجل – في نتائجها. في وقت مضى أتيحت لي الفرصة في المشاركة في دورة تحت عنوان فن إدارة الذات, وكان المدرب  هو المميز الدكتور محمد بن عبدالرحمن الصبي, ومردُّ ذلك التميّز هو أنني كنت قد حضرت عددا من البرامج التدريبية حول ادارة الذات فلم ألمس الأثر الكبير الذي لمسته من خلال هذه الدورة. الأمر عائد بكل تأكيد إلى توفيق الله عز وجل. الدورة كانت برعاية الجمعية الخيرية لمكافحة التدخين, وكانت رسوم الدورة مجانية لأعضاء الجمعية. فيما يلي سأدون بعضاً مما فهمته من خلال هذه الدورة.

ان تدير ذاتك يعني ان تحافظ على مكتسباتك بعيداً عن الأخطار, ولكي تدير ذاتك يجب ان تتعرف محيطك.  نستطيع القول بأن محيطك هو الحياة التي تعيشها, وهذه الحياة هي لعبة لها قوانين , قال تعالى (إنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهو), “سورة محمد الآية 46” فأي اللاعبين أنت, في ملعب الحياة؟ هل انت لاعب ايجابي, ام لاعب سلبي, ام حكم ايجابي , ام حكم سلبي, ام حكم يطبق قوانين اللعبة؟ .. هل انت من جماهير الفريق الايجابي ام جماهير الفريق السلبي؟ … وتطول قائمة اللاعبين في هذه الحياة. أخطر ما في الأمر هو ان تكون الكرة التي تتقاذفها الايدي وتركلها الارجل !!! ولا رأي لها في ذلك بل هو أمر مفروض عليها فرضاً فهي تقوم بما هو متوقع منها, وإذا أبدت تذمرها أو اعتراضها استبدلت بغيرها بعد أن ترمى بعيداً.

الآن بعد تعرفت على الحياة (حياتك) وأردت أن تكون لاعباً مؤثراً وفاعلاً فيها ,  يجب ان يكون مكتوبا ومحفظا لديك ما يلي:

  • الرؤية: أي الأمل الذي تسعى اليه في حياتك.
  • الرسالة: أي العمل الذي تقوم به لتحقيق رؤيتك.
  • وأهداف تريد الوصول اليها وتحقق رؤيتك ورسالتك من خلالها.

هذا كان ملخص الدورة الذي سعدت بحضورها أيما سعادة.

***

https://i1.wp.com/www.neelwafurat.com/images/lb/abookstore/covers/normal/153/153658.gif

أيضا خلال الفترة الماضية وفي أحد زياراتي لمكتبة العبيكان, لفت انتباهي في جولتي الاستكشافية تلك, كتاب تنمية ذاتية مترجم يحمل عنوان “الاسترخاء المبدع” لمؤلف ألماني يدعى “هيرمان إيمان”. الكتاب لم يخل من أفكار جميلة ومبدعة وجديدة بالنسبة لي, وجمال الأفكار يتأتى من كونها عمليّة وتنفيذية, وفيه أيضا وجدت مفهوماً مستغرباً للاسترخاء. فيقول الكتاب أن التركيز على الأشياء الجوهرية يتحقق بالشكل الأفضل عن طريق الراحة المؤقتة (أو العطالة المبدعة أو الفراغ الخلاّق), فعندما يبدو ظاهرياً أن المرء لا يفعل شيئاً, فإن شيئاً ما يعتمل بداخله, ويقول أن أعظم الانجازات تتحقق عندما لا نقوم بأي عمل !, ويبرر ذلك بأنه عندما يُعمد الى  هذا السلوك سيصحو الخيال ويجعل الحياة تدب في كل شيء.

ولمفهوم أبسط لما يقصده الكتاب, يقول  أن الحاجة الانسانية للاسترخاء لا تتمثل في مجرد الجلوس أمام التلفاز مرفوع الرجلين بعد انقضاء وقت العمل وتناول المكسرات إن ذلك يمثل ظاهرياً أنك لا تفعل شيئاً ولكنك داخلياً تعمل بأشياء كثيرة غير ايجابية, وربما جزء كبير من هذه الأشياء لا يسهم في استرخاءك. لماذا؟ الجواب يأتي: لأنك لا تسترخي بإبداع.

الفراغ الخلاق هو ان تتأمل ما حولك وأنت مستلقي مغمض العينين, تتأمل بأذنيك وبأنفك وبيديك. أن تتفكر في جذع الشجرة وكيف أنه عبارة عن طبقات وحلقات كل واحدة منها تعبر عن عمر للشجرة. العطالة المبدعة هي أن تتوجه الى مطبخك وان تصنع كعكاً بسيطاً تمتزج فيه انواع الفواكه التي تعجبك. أو أن تناول فاكهة الاناناس وتخيل كم من البحار سافرت هذه الثمرة وكم من صندوق سكنت وكم من يد حملتها حتى أتتك على طبق لتأكلها, الخيال هو الفراغ الخلاّق, فالخيال يأتي بالابداع والابداع ان تصنع شيئاً من لا شيء وبالتالي يتحسن مزاجك وتسترخي.الفراغ الخلاق هو انسجام مع النفس وانسجام مع الآخرين (عدوانية أقل) وعلاقة حسنة.

شخصياً, تفاوت أداء ومردود الكتاب معي. أحياناً أجدني اواكب ما يتحدث عنه. لكنني ابتعد عنه في أحيان أخرى, الكاتب ومجتمعه حسب قوله هو مجتمع عملي لأبعد الحدود, وجدّي معظم أوقاته, لذلك برز هذا الكتاب  كما زعم المؤلف كي يخفف من ثقل الالتزامات ويعيد التوازن الى حياة المجتمع. على أية حال في كثير من الاماكن  داخل هذا الكتاب وجدت لمحات جذبتني  وأعود الآن وأذكر بعضها.

حيث يقول الكتاب أنه عندما يتعب الانسان عند مواجهته لظروف صعبة, فالسبب في الغالب ليس في تلك الظروف وليس في الشخص نفسه أيضاً ! , إذن من أين؟ تأتي الاجابة بأن السبب هو في اسلوب وردة الفعل من قبل الشخص تجاه هذا الحدث. لذلك فإن تطور الانسان وتعلمه واكتسابه المهارات والتجارب سيحسن من ردة الفعل هذه, وبالتالي سيقل تعبه في مواجهة المصاعب.

الاسلوب الذي يتحدث عنه الكتاب هو اسلوب يعلمك كيف تترك الامور التي تثقل كاهلك وتدعها على عواهنها, وهذه الامور (المخاوف والهموم) كلما استصغرنها قل تأثيرها, استلق على السرير وأغمض العينين وأنصت الى الاصوات القادمة من بعيد, لا تفكر ولا تركز !!! دع الامور على عوانها, لا تصل الى هدف محدد, فقد ظللت طوال الوقت تسعى وراء اهداف ربما كثير منها غير ضروري الوصول اليه بالطريقة التي تمارسها.

في ختام استعراض هذا الكتاب, أورد أمراً مهماً تكتمل به النظرة الى العطالة المبدعة, وهي أنه لا يستلزم ان تتحول الى مجنون او انسان غير طبيعي وأنت تمارس هذا الخيال المبدع, انما التنويع والتجديد وشحن الطاقة هو الهدف, لان معظم الناس في هذا العصر عقلانيون واتعبهم جداً استخدام الجزء الايسر العقلاني, ويهدد ذلك بضمور الجزء الايمن الانفعالي الاندهاشي.

تمنياتي للجميع بحياة مطمئنة واسترخاء يجدد الروح والجبد معاً,

هنا أصل إلى نهاية هذه التدوينة أيضاً فالحمد لله رب العالمين :)

Advertisements

7 Comments Add yours

  1. فريال كتب:

    تدوينة جميلة.. لطيفة وهادئة الأعصاب..
    أحببت هذه العبارة كثير
    “معظم الناس في هذا العصر عقلانيون واتعبهم جداً استخدام الجزء الايسر العقلاني, ويهدد ذلك بضمور الجزء الايمن الانفعالي الاندهاشي.”

    الناس في فوضى حواس X) ببقل لا عقل P:

    إعجاب

  2. مـٌـقدمة التدويـنة مـُـريحة ، تناسبت مع مضمـونها

    و أسأل الله أن يتقبل منكم و من سائر المسلمين صالح الأعمال .

    لا تعلمون كم أثـّـرت بي تـلك المقتطفات من ذاك الكتاب ، كنتُ أحتاجها بالفعل .

    صدفة ً ممررتُ بهذا المكان خلال جولتي على المواقع ” المـٌـفضـّـلة ”

    و ارتحتُ جداً من هذه الصدفة التي هي خيرٌ من ألف ميعاد

    بارك الله فيك .

    إعجاب

  3. الأخت فريال
    مرحباً بكم مجدداً هنا :) . أسعدني الأثر الذي تركته تدوينتي المتواضعة عندكم. وحقيقة الأمر: أنه بالفعل بات الكثيرون في عصرنا الحديث مشغولين بالامور المنطقية, وأهملوا جانب التفكر والتخيل والعواطف والانفعال. فكأنما هم آلالات وليسوا بشراً. هذا هو الجانب الذي يدندن حوله الكتاب.

    شكراً لاهتمامك اختنا الكريمة ويا هلابج :)

    الأخت الأصمعيّة,
    أشكر لكم كلامكم اللطيف واستحسانكم لما أكتب. وأجدني أمتليء حبوراً بما قدّمته من خلال استعراضي المتواضع لهذا الكتاب, وسقى الله بالخير”رابطاً أو موقعاً” ساقكم إلى موقعي المتواضع على الشبكة العالمية.

    اجدد الشكر لتفاعلكم ولتكرمكم بالمشاركة
    أهلا بكم :)

    إعجاب

  4. عونيــ كتب:

    تعجبني روحك المتفائلة، الباحثة على المعرفة، و التي تتعالى عن توافه الأشياء. هذا ما أردت قوله. دُمت أنشودة مطر.

    إعجاب

  5. علي كتب:

    أستاذ عونيــ

    أهلا بك في مدونتي البسيطة, وأشكر لطفك في ابداء رأيك حول أنشودة المطر :) . أشكرك وسعيد بمتابعتك.

    تمنياتي لك بالتوفيق , وتقبل تقديري
    أخوك / علي

    إعجاب

  6. reema كتب:

    صباحك ويك اندي :D

    الاسترخاء المبدع.

    احب هذا الكتاااب واحب اوزيه في السرير وعلى الصوفا *اي مكان اضمن فيه اني بجلس وباتصفحه واسوي سكيمنق (قراءه سريعه).
    لاني مجرد اقرأ فيه تجيني طاقه هاايله ونشاط حلو.. :D

    لذلك كانت فكرة ناجحه اني اخذه معي في طريقي للجامعه.
    – من الكتب الخفيفه اللي ماتتطلب مجهود او تركيز

    لكن للآن ماقرأته من المقدمه و بالترتيب -كما يجب- عندي عادة ربما تكون سيئة احيانا
    اقرأ مقاطع بشكل عشوائي وهكذا إلى ان اصل لمرحله اكون فيها وفقت اخيراً في قراءة كل الفصول

    أو كل العناوين الجذابه اللي شدّتني إلى الأقل جاذبيه .

    طريقتي في القراءه تشبه نمط حياتي!

    هناك أمر آخر رؤيتي لغلاف الكتاب في مدونتك غريب!

    استوقفني وكأنه شيء من ممتلكاتي الخاصه *حسبت انك سرقته او شي

    تسائلت لدقيقة من الزمن و بغباء اشلون وصل هنا؟؟

    الاحتمال الثاني او التفسير الثاني لدهشتي لدى روية الغلاف هي اني ماتوقعت احد يناقشه كما وفّقت

    طيب. متى بترجعه :D ؟

    إعجاب

  7. علي كتب:

    reema
    أهلا أختنا الكريمة :)

    بداية سعيد جدا للتعليق الجميل, سرني كثيراً .. خصوصاً وأنا أقرأه في هذه الأمسية الـ “ويك إنديّة”.

    بالنسبة للكتاب, خطر عليّ خاطر بأنني وأنتي الوحيدان اللذان اشترياه !!! , لأنني لم أجد من يتحدث عنه.

    حقيقة كانت قرائته تجربة جميلة, لكنني فعلاً أجد مجال وأحاديثه تدور في مجتمع بعيد عن مجتمعنا تقريبا, المجتمع الألماني الذي يأتي منه الكاتب شأنه شأن معظم المجتمعات الغربية يرزح منذ فترة طويلة تحت وطأة الآلة والتقنية; لهذا قد نجد بعض الغرابة في أساليب التعامل مع تلك الضغوط, على أية حال الكتاب جميل جداً وجدير بالاطلاع عليه وخفيف وسهل الهضم.

    موضوع اسلوب القراءة, تذكرت كيف كنت اتصفح الكتب الكثيرة من كل شكل ولون في ليالي الإجازة الصيفية من مكتبة منزلنا, وكنت أبحث عن شيء مثير, مضحك, يهمني على الأقل !!! فلا وسيلة لذلك سوا القفز من الفهرس الى الصفحات. لكن مع الوقت أحسست بأنني أميل إلى الاستمتاع بالكتاب من بدايته الى نهايته, لربما بعد أن أصبحت أستطيع أن أختار الكتب التي تعجبني وأقرأه في الوقت الذي يعجبني.

    وبالنسبة للشعور الذي تلملكك عند رؤية الغلاف هنا, ألم أقل لك أن الكتاب يبدو أن يوجد عندي وعندك فقط, فلم أره في يد أحد من قبل! ولم أره حتى منتشراً في المكتبات …

    على العموم أكرر سروري بتعليقكم, وأمنياتي لكم بوقت مسترخي ملئ بالابداع.

    شكرا أختنا الكريمة.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s